تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصحة، الصحة وحدها، ففيها عن كل عرض غناء.

ما عزبت عن الإنسان نعمة من نعم الدنيا إلا اقتصر حسه على ألم فقدانها والحرمان منها، أما فقد الصحة فإن يشعر الحرمان من كل شيء؛ وقد صدق من قال: «يا أهل العافية لا تستقلوا النعم!»

أستغفر الله! بل إن فقدان الصحة لمما يزهد في أنعم الحياة، وإنني لأذكر، وأنا في مرضي هذا، أنه ما عرضت لي منية من المنى التي طالما هفت نفسي إليها وسألت الله فيها جاهدا، إلا دقت في عيني، وهانت على نفسي ، حتى لأراني في تشهيها والاحتفال لها إنما كنت سخيفا كل سخيف!

هذا جرحي قد اندمل، وها أنا ذا أمشي وئيدا إلى العافية، وإني لأشتهي بعض الطعام ولكن هيهات أن ينولني الطبيب، فآه! هذا اللون ما أحسنه وأسوغه وأحلى مذاقه، وما أنعم الآكليه وأسعدهم؟ فلو رجعت إلى العافية لكسرت عليه عشر وجبات متتابعات!

هذه الرقعة من القاهرة أو من غير القاهرة ما أجملها وما أبدعها، وما أبهى خططها وأحلى موقعها! لئن رددت إلى العافية لأتخذن منها منتجعي ومثابي، ومذهبي في غدوي ومآبي!

وهذا كيت وهذا كيت، مما يصاب ب «لعل» وما يصاد ب «ليت»، ما دام في مصباح هذه الحياة زيت! •••

ويشاء الله تعالى بعد هذا البلاء كله أن أصح وأسلم، ويعود إلي ما كان لي من العافية، وإني لأستعرض ذلك الذي كنت أشتهيه وأنظره للعافية، فإذا النفس منصرفة عنه، زاهدة فيه، لا تراه يستحق من هموم الشهوة كثيرا ولا قليلا!

ها أنا ذا أعود إلى العافية فأعود إلى ألا أذوق لها طعما، ولا أشعر بها إلا وهما، ولا أجد لها من أسباب النعماء، بعض ما يقدره العليل للأصحاء، أفتراني أرجو دوام السقم، لأستديم الشعور بما في العافية من النعم؟ إذن فيا لها نعمة لا يقوم وجودها إلا في العدم! وصدق من قال: «الصحة تاج على رءوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضاء» ورحم الله القائل «وبضدها تتميز الأشياء».

وعلى هذا أسأل الله ألا يشعركم هذه النعمة يا معشر القراء، إنه تعالى سميع الدعاء!

| في الطيارة بين ألماظة والدخيلة1

لقد كان بيني وبين صديقي وأستاذي المرحوم محمد بك المويلحي اتفاق وثيق على أن السيارة لم تصبح بعد مركبا عاديا سائغا يجوز للناس أن يتخذوه في سراح ورواح

2

آمنين، فإذا كنت ترى في ملاعب «البهلوان» من يمشي على السلك الأرفع، ومن يصارع الوعل، ومن يعفر الليث الخادر بالسوط، فصل ركوب السيارة بهذا، فإن كنت بطلا فتقدم إليها في غير حاجة، وإلا تكن فلا يضطرك إليها إلا الضرورة الملحة من طول مدى وضيق وقت، وخوف فوت ونحو هذا، والضرورات - كما قالوا - تبيح المحظورات، وقضى المويلحي رحمه الله على هذا؛ وبقيت بعده هذه السنوات الثلاث حافظا لعهده، قائما على ميثاقه، ولست أدري بعد إذ ترقرق في عالم الأرواح: ألا يزال ثابتا على رأيه؟ أم تكشف له من مكنون الحقائق ما حرفه عنه؟ ومهما يكن من شيء فسنلتقي في يوم قريب أو بعيد، وحينئذ يتهيأ لنا أن نعيد النظر في ذلك الاتفاق!

هذا رأيي، إلى أن أموت على الأقل، في اتخاذ السيارة؛ على أنني لا أفتأ أتخذها على علمي بأن جانب التلف فيها يغلب جانب السلامة، ولكنها كما زعمت الضرورة، وإنني لأخاطر من شاء على ما يشاء، مما يدخل في طوقي، إن كان أحد رآني قط أقرأ في السيارة جريدة، أو أنقد دراهم، أو ألقي بالا إلى حديث رديف؛ بل إن شأني معه إذا هو أقبل بالحديث علي لكشأن القائل:

وأطيل لحظ محدثي ليرى

أن قد فهمت، وعندكم عقلي

وكيف لي بهذا وأنا في أعظم شغل من رجفان القلب وضربانه، ومن عين شائعة بين يدي السائق والترام المقبل من هنا، والسيارة المنطلقة كالسهم من هنا، وهذا الغلام الذي يحجل بين يدي العجل من هنا، وهذا الحافي راكب الدراجة يعترض السيارة في تمام سرعتها، فيلوح لسائقها بيسراه ليتلبث حتى يقطع هو (بسلامته) الطريق، وغير هذا من ألوان العذاب الأليم والبلاء المحيق!

المختار · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٦٨