تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

فإذا هو يتثاقل عني، وإذا أوصابي وعللي تتداعى وتتجمع لذهني رويدا رويدا حتى تستوي كلها في خلق واحد.

رباه! ما هذا كله؟ أليس هذا كل ما كنا نتمثله في الشيخ إذا ضربته الخمسون؟

وما إن كاد يستوي لي هذا الخاطر المشئوم حتى أحسست أن نفسي تطير شعاعا،

11

وأن قلبي يتمشى في صدري، وأن كبدي تسيل مسالا، وأن ذهني قد تفرق عني فما أستطيع له جمعا! ... وإني لأستلقي على فراشي وأتحامل لأجمع بعضي على بعضي، وأصطاد ما ند عني من فكري، فما خرج لي من كل ما جمعت إلا أنني الشيخ صاحب الخمسين حقا، وأنها قد صنعت بي كل ما تصنع بسائر الناس!

إذن فقد ولى الشباب، فما له من رجعة ولا له من مآب!

أرأيت إلى التاجر يقدر مواتاة السوق ويطاول الأيام في انتظار الغني وإقبال الدنيا، وبينا هو في هذا حق سعيد بالثقة به والاطمئنان إليه، وإذا السوق ترجف رجفتها، وإذا نظرة واحدة في دفتره تؤذنه بأن قد أفلس؛ فقد ضاع السبد واللبد،

12

وإنه لن يشقى في الحياة شقاءه أحد! •••

يا ويلتاه! أكذلك يذهب الشباب قبل أن يجيء، ويدبر قبل أن يقبل ويودع قبل أن يسلم؟

يا عجبا للهلال يغشاه المحاق ولما يبلغ التمام، وللورد يلحقه الذبول ولما تتفتح عنه الأكمام!

يا عجبا للشمس تشمر للغروب والرجوع، ساعة يؤذن مشرقها بالبزوغ والطلوع!

ويا رحمتاه للروض إذا ذبلت في مطلع الربيع أزهاره، وجفت قبل النضج ثماره، وسكن من الشجر اصطفافه، وتساقطت أوراقه، وسكن النسيم، وكان العهد به أن يتنسم، وسكت العندليب، وكان الظن به أن يشدو ويتنغم!

أهكذا يكون نقض العهود، وخلف الوعود، أهكذا تشح السماء بعد طول ما منت بالبروق والرعود؟!

فأين هذا الشباب وهو حق لا حلم من الأحلام، ولا وهم من الأوهام؟ وليت شعري كيف ذوى، ومتى انطوى، وما زلت في انتظار وفوده، وترقب وروده، طوعا لمطرد وعوده؟

نترقب شبابا فإذا هو هرم، وجدة فإذا هي قدم، وصحة فإذا هي سقم، ووجودا فإذا هو عدم! تالله إن علمت قط أن التبر يحور ترابا، وأن الماء يستحيل سرابا! •••

هذا الدهر ما زال يعدنا ويمنينا الأماني، وكلما تنجزنا في السعادة وعدا أنظرنا إلى غد، فإذا صرنا إلى هذا الغد قال: أليس موعدكم الغد؟ ونحن نتابعه كمن يتابع ظله؛ فلا هو بلاحقه ولا هو عن لحاقه ببعيد، وكذلك تنقضي الأيام بعد الأيام، وتنطوي الأعوام بعد الأعوام، ثم لا يروعنا إلا أن نتفقد هذا «الغد» الذي طالما انتظرناه، فإذا هو قد مضى في «الأمس» الذي استدبرناه! فهذا الشباب الذي يتحدثون عنه لا قيام له إلا في التصور والتخييل، لأنه إما شيء تجيء به الأيام، أو شيء قد خلت به الأيام، أما أن له سرحة يتفيأ الإنسان في ظلالها، وفسحة يطمئن بين غداها وآصالها،

13

بحيث يستشعر الثبات والاستقرار، فذلك ما لا يكون في منهج الأعمار!

نعم، لقد يصيب الإنسان كثيرا أو قليلا مما يدعى بسعادات الحياة، ولكن هيهات أن يصفو له شيء منها إلا كدرا، فإن الزمان أحرص من أن يصفي العيش لإنسان، وإنه في هذه السبيل ليسلط عليه ولو من وساوس نفسه ما يصرفه عن متاع الحياة وهو في متناول يده، ورهن مراده، فإذا أعوزه هذا وسوس له بالتأميل فيما هو أجل مما تيسر له من النعيم وأعظم، فشغله عن حاضره بقابله، وصرفه عن عاجله بآجله، وهكذا تتصرم الأعمار، في الارتقاب والانتظار!

آمنت يا دنيا أنك سارقة ماكرة فاجرة، تمكرين بالناس وتخدعينهم على أعمارهم حتى تنشليها منهم نشلا، ولا والله ما يعينك على فجورك هذا إلا غفلة الناس! •••

وبعد، فلعلك عرفت لماذا يخادع المرء الناس على سنه، بل إنه ليخادع عليها نفسه، ولعله في هذا حق معذور، فلقد طالما وصل المستقبل بسعادات وارتبطه بها، حتى ما يستطيع تصوره بغيرها، ولا تمثله متجردا منها، فكلما مر عليه يوم لا تواتيه تلك السعادات لا يراه مما ينبغي أن يحسب في مدة العمر، ولا مما يجوز أن يعد عليه فيه! فهذه علة تعاظمه لدخوله في السن واستثقاله لتذكيره إياه.

المختار · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٦٥