تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللهم إننا لنتهاون شأن الذبابة، ونستحقر هذه الحياة التي تحياها، ولو قد تفطنا إلى الحق الواقع لعرفنا أنها أسعد منا عيشا وأنعم حالا، لأنها لا تشتغل إلا بالحاضر، وهو الحق المحس الذي يذاق ويستشعر حقا، فلا يتفرق حسها بين الأسى على ما فات في سالف الأيام، وبين التعلق في المستقبل بكواذب المنى في كواذب الأحلام!

فيا الله ما أخس حياة تنتهي بالإنسان إلى التراب، وهو لا يتذوق منها بعض ما ينال هذا الذباب!

وإذا كان لنا معشر الناس أن نأسى على شيء في هذه الحياة الدنيا، فليكن أسانا على أننا ننفقها في الأسى على ما قد فات، وطول التأميل فيما هو آت، وهكذا نجوز بالدنيا فلا نستشعر منها إلا آلاما، ولا نذوق إلا منى وأوهاما، وصنع الله لهذا الشاعر في كذبه على كذب الآمال:

منى إن تكن حقا تكن أعذب المنى

وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

| لا صحة إلا في المرض!1

لست أدري لماذا لا نتذوق صحة الأبدان ولا نستشعرها ما دمنا فيها؟ أترى لأنها شيء سلبي لا يذاق ولا يحس؟ أم لأنها كسائر نعم الحياة قل أن يقدر المتقلب فيها قدرها، أو يعظم المتمكن منها خطرها؟ أم أن ما تجد الأيام من أشغال الدنيا وهمومها ومطالبها مما يحول بين المرء وبين تذوق الصحة والالتذاذ بالعافية؟

اللهم إنني لا أقطع في هذا بشيء من وجوه التعليل ألبتة، ولكن الذي أقطع به ولا أراني أتحول عنه أن الإنسان لا يرى أن هناك نعمة أجل وأعظم من نعمة العافية يوم يضربه المرض ويسلبه السقام هذه العافية، بل إن بحسبه أن يرى امرءا معافى في بدنه ليقدر له من الشعور بالسعادة والإحساس باللذة ما لا يتعلق به وصف واصف، ولا يتصور مبلغه إلا هؤلاء الأصحاء!

لقد كنت في العافية فما قدرت لها قط قدرا إلا إذا ذكرت المرض وأوزاره، وإني لأكره بالطبع أن يتداخلني السقم، وينتابتي الوجع والألم؛ وأن يكفني هذا عن ولاية عملي، ويثقل

2

بشأني أهلي وولدي، ويحول بيني وبين الإصابة من متاع الدنيا إذا كان في الدنيا متاع!

ومهما يكن من شيء فإنني ما رجوت العافية لذاتها، وكيف لي برجاء ما لا أحس ولا أشعر؟ وإنما أرجو ألا أبتلى بالأسقام والعلل، فإذا لم أذكر المرض فهيهات أن يجري ذكر الصحة لي على بال!

ثم إني ذات صباح لأحس وجعا في بطني، فلا أوجه الأمر بادئ بدء إلا على أن أحشائي مغصة من أثر برد أو من فعلة طعام تجهمت له الأمعاء، فلم يجد له من خلالها لطف مساغ، فاحتميت على عادتي وتحرمت الطعام، أرجو أن يزول عني مغصي إذا انقضى النهار.

ويذهب النهار ويقبل الليل، فإذا المغص مقيم على غمزه ما يبرح ولا يريم، ثم يكون الغد فإذا هذا الغمز في الحشا يستحيل وخزا، فأظل على تحرمي واحتمائي، وجعلت أختلف على ألوان الرصفات تبتغى لمثل ما أنا فيه، ولكن الألم يزيد على هذا ولا ينقص، وينبسط في بطني ولا ينقبض!

وتجوز بي على ذلك بضعة أيام لا يكرثني الأمر ولا أراه حقيقا بالاعتداد به والاحتفال له، حتى إذا رأيت أن الألم قد طالت مدته، واشتدت وقدته، لم أر بدا من العياذ بالطب بعد أن أعيا علي ما تعودت الاستراحة به ألوان العلاج.

ولكن لقد أخطأ الطبيب شخص الداء، فسرعان ما استفحلت العلة وتمردت المعى على الدواء، فما أولاها على التمرد إلا عقابا، ولا أصلاها على الإباء إلا تأليما وعذابا!

وبعد أسابيع عراض نهرها، طوال لياليها، ينحسر الشك عن داء عقام، وعلة لا يرتقي إلى خطرها كثير من الأسقام.

وهنا أرجو أن يصدقني القارئ إذا زعمت أن الوقوع على حقيقة المرض ومبلغ خطره لم يتعاظمني ولم يدخل على نفسي الذعر بقدر ما يتصور، فإن كان قد مسني شيء من هذا فلعله قد ذهب به أو خفف من وقعه استراحتي إلى حقيقة شأني بعد تلك الحيرة الطويلة المملة العنيفة، وإذا عرف الداء، سهل - كما قالوا - الدواء، وإذا وقع في التقدير أن علتي مما لا يرجى منه الشفاء، إذن فقد بلغت حد اليأس، واليأس - كما قالوا - إحدى الراحتين!

المختار · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٦٦