هذا كلام صحيح، ولكن ما لي أحس في عيني فتورا، وأجد في نظري قصورا، حتى أصبحت لا أتبين الشخوص إلا بمقدار، ولا أستطيع القراءة إلا بمعونة المنظار؟
لا شك أن هذا من مرض طارئ، أو من عرض مفاجئ، وما كان جهد العيون وتقاصر الأنظار، دليلا على انطواء الشباب والطعن في الأعمار!
وهذا أيضا كلام صحيح، ولكن ما بالي أري ثقلا في سمعي لقد يفوت علي في المجلس بعض الحديث، ولقد ترعش يدي في بعض الحين فما تكاد تستطيع ضبط اليراع!
وهذا كذلك ليس أمارة على فوت الشباب، إن هو - كما قال الطبيب - إلا من تعب الأعصاب!
فما بالي أجد أسناني قد شاعت في أصولها الآلام، وتجلجلت كلها فما تثبت واحدة منها إلا لهش الطعام؟
لقد حدثني الطبيب أن هذا إنما اعتراني من أثر «السكر» الذي كشف عنه «التحليل»، وهذا «السكر»، والحمد لله، ليس صادرا عن علة لازبة
6
ولكنه عارض لا يلبث أن يزول بأرفق العلاج؛ على أنه كاشفني بأن الخير كل الخير في خلعها جميعها والتعويض عنها بأسنان مصنوعة لا تحقن في اللثة أذى ولا تبعث ألما، فوق أنه يسهل تخليلها وغسلها، ويسلس جلوها وصقلها، وإن شئت كسوتها بالعسجد، وإن شئت تركتها كالدر المنضد، وماذا علي في هذا والكواعب الحسان في الغرب يبادرن إلى خلع أسنانهن في غير شكاة
7
بل لمحض التبهج بالأسنان المصنوعة، فلنعجل بخلعها قبل أن نقرع سن الندم، إذا ألحت العلة وأعضل السقم!
إذن فإنني ما زلت في انتظار الشباب، ولا يجوز أن نلقي لهذه الأعراض بالا أو ندخلها في الحساب! •••
ولكن ما بالي أصبحت لا أشتهي الطعام، ولا أكاد أقوى على هضم خفيفه فضلا عن غليظه إلا إذا استعنت على ذلك بألوان العقاقير: هذا في أثناء الطعام، وهذا عند المنام، وهذه الحبة يجب أن تبلع بعد الوجبة، وهذا الذرور مما يسهل الصفراء، ويرفه عن الكبد وينظف الأمعاء، وهذا لكيت وكيت، وهذا لذيت وذيت.
سبحان الله! وماذا يضيرك ذلك ما دام يعينك على شأنك، ويصرف عنك الأذى، ويقيمك في العافية، والعقاقير ميسورة في كل مكان، ولا يستهلك تناولها وقتا، ولا يقتضيك مشقة ولا جهدا، والدواء مما لا يستغني عنه كبير ولا صغير، ولا قوي ولا ضعيف!
ثم ما لي إذا مشيت أحسست في جسمي تزايلا، وفي ساقي تخاذلا، وكأنني أحمل رجلي وليست هي التي تحملني، وسرعان ما يجهد بي وما مشيت طويلا، ولا حملت عبئا ثقيلا!
ثم إنني بت لا أقوى على رطوبة الليل في العراء، وما إن تبديت لها ساعة حتى أصبح في أسوأ حال، ويعتريني من الأوصاب ألوان وأشكال!
وهذا وذلك لا بأس عليك منهما إذا أخذت نفسك بشيء من رياضة البدن، واستنشاق الهواء النقي في الشمس الساطعة، فإذا كان الليل أثقلت الدثار، واعتكفت في الدار، فلا ينالك سقم، ولا يعتريك ألم!
فما لي أمسيت لا أنام إلا غرارا،
8
وأراني أهب على أخف طرقة، وأخفت خفقة؟
وما خيرك في أن يثقل نومك، ويستهلك في الغفلة عن الدنيا يومك؟ والنوم كما علمت حاجة يضطر إليها تعب الأجسام، فمن العبث أن نتفقد الحاجة إذا لم نجدها ولم تلجئنا إليها الضرورات! ورحم الله الشاعر الذي يقول: «إن تحت التراب نوما طويلا.» •••
وهكذا ما شكوت علة إلا أصاب الأمل لها تعليلا، وهون على خطبها وإن كان الخطب فيها جليلا! وأنا أصدقه وأطاوعه، وأدفعه ولا أدافعه، وما لي لا أفعل وهو لا يمنيني بحلم من الأحلام، وإنما يتراءى لي بحقي على الأيام، والحق لا بد واصل وإن طال بطؤه، والدهر لا محالة إلى الحق عادل وإن كثر خطؤه.
9
إذن فلننتظر، ومن صبر فقد ظفر! •••
ثم إني لأقوم إلى المرآة فأحقق النظر، فلا يروعني إلا أن أرى وجهي قد تغضن، وجبيني قد تكرش، وأجد في شفتي تهدلا، وفي عنقي ترهلا، أما عيناي فقد بدتا لي كعيني دمية قد نصلتا فلا أثر فيهما يشبه بريق الحياة!
وإني في هذه اللحظة لأستنجد ذلك الذي طالما واساني وهون علي ما أجد