تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وتقلب في ألوان المتاع عطفه، لا تكدر الهموم من صفوه، ولا تشغله متاعب الحياة عن متاعه ولهوه، مخلصة لداعيات الصبا نفسه، لا يعنيه يومه ولا يعنيه غده ولا أمسه، حتى إذا استوفى حظه من متع الشباب، وشبع منها وبشم بها؛ انصرف عنها زاهدا فيها كارها لها، وأقبل على ما هو الأخلق بالحكمة، والأشبه بكمال الرجال، وأصبح يتمثل بقول الشاعر:

وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه

فإذا عصارة كل ذاك أثام •••

وكيف أكون قد بلغت الخمسين ولما أبلغ من آثار هذا الشباب شيئا؟ ولم أصب بعد من متعه كثيرا ولا قليلا؟

اللهم إنني ما برحت أستشرف لهذه الأيام التي طالما تمثلت لأحلام الفتوة جميلة جمال صفحة البدر، ناضرة نضرة الورد قد طله القطر، هذه الأيام الحلوة اللذيذة التي طالما تراءى لي بها المستقبل، فأتعزى بقرب لقائها عما أجد في حاضري من هم وأسى، ومن وجد وشجى.

اللهم إنني ما زلت في انتظار أيام الشباب التي لا يفتأ يوسوس في صدري بها الأمل، فأشعر لها بشوق لا يعد له شوق، وأجد في قلبي حنينا إليها لا يشبهه حنين، وهل تكون هذه الأيام كلها بين أيام العمر إلا روضة قد ينعت أثمارها، وضحكت أزهارها، وأشرقت أنوارها،

2

وتعطفت في أرضها الجداول، وسجعت على أيكها البلابل، ومشى في خلالها النسيم، يحمل من الورد عاطر التحية وأزكى التسليم، فتنحني الغصون إجلالا لوفوده، وإكراما لوروده!

هكذا الشباب المنتظر، مراح لا يلحقه ضجر، وصفو لا يشوبه كدر، ودعة لا تروعها الغير، ونفس قد وضعت عنها الأعباء والآصار،

3

فتكاد من الخفة تطير في اقتناص المنى كل مطار!

لقد طال بي انتظارك يا هذه الأيام، فليت شعري متى تحقق الآمال وتصدق الأحلام؟

أنت آتية أيام الشباب لا ريب فيك، وإنني ما زلت في الانتظار ... •••

ما لي أجد غمزا على كبدي، وأكاد أحس بأن شعبة قد انخلعت من قلبي، وأن ذهني تطاير عني كلما لاح شبح الخمسين، فلقد بلغت الخمسين، وا رحمتاه، حقا! ...

لا تأسي يا نفس ولا يتعاظمنك الأمر، فإنني إن كنت قد بلغت الخمسين عددا، فإنني لم أعل بها قط سنا، وكيف تعلو بي السن وأنا لما أزل في انتظار الشباب الذي لم أخضه بعد، ولم أله به لهو من يخوض الشباب؟

لا! لا! ليست المسألة عددا في السنين، وليست الحياة مساحة تقاس بدورة الفلك، فلتعد علي السنون ما شاءت أن تعد، ما دمت - في الواقع - لم أزل فتي الروح مستشرفا لعهد الشباب! وليس من سنن الطبيعة أن يسبق الجدة القدم، ويتقدم على الشباب الهرم!

إذن فأنا لما أزل على شرف الشباب الغض، وأنف هذه الخمسين العددية راغم!

لقد بلغت الخمسين حقا، ولكنها ليست تلك الخمسين التي كان يتمثل لنا الناس فيها شيوخا قد شاب قذالهم، وابيضت لحاهم، وتكرشت وجوههم، وترهلت لحومهم، وتجلجلت أسنانهم، وفترت حدة عيونهم، وضعفت قوة متونهم، وثقلت آذانهم، وكلت أذهانهم، فإذا تحدث أحدهم جعل يعصر ذاكرته عصرا، وإذا مشى فكأنما يحمل على ظهره وقرا.

4

لقد بلغت الخمسين عددا، ولكنني لم أتقدم بها في السن كما يتقدم سائر الناس، وكيف تعلى سني حتى تدخلني في الشيخوخة على حين أني لو قد استعرضتها وفررت عنها

5

من يوم تفطنت إلى الحياة ما زادت في الواقع على عشر، وهذا على أسخى تقدير، فأين يا ترى سائر هذه السنين؟ اللهم إني لأبحث عنها وأجهد ذاكرتي في طلبها سوية فلا أجدها، فليس من العدل أن تسقط من مدة العمر هذه السنون! وإن ظلما دونه كل ظلم أن نجري حساب الأعمار في هذه الدنيا على دورة الأيام!

وليت شعري ما الدليل على أنني قد بلغت هذه الخمسين لو أنني عشت في بداوة لا تتعقب فيها السنون؟

إذن لم أصبح بعد شيخا، ولتعد علي الأيام ما تشاء! •••

ولكنني مع هذا أرى الشيب يصيح في رأسي، فكيف لعمري لحقني قبل الشباب المشيب؟!

لا تأسي يا نفس ولا تشفقي من بياض الشعر، فلكم رأيت فتيانا باكر رءوسهم هذا النصول وعجل إليها، فما كان بياض الشعر يا نفس دليلا على المشيب! ومع هذا ففي الصبغ إصلاح لخطأ الطبيعة، وتصحيح لما يدعي علي بعض الناس من كذب وزور!

المختار · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٦٣