تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

نافذ حكمه كيف حكم، متقبل قضاؤه مهما ظلم، لا معقب لمراده، ولا مراجع له في إصداره ولا إيراده، يأمر فلا يرى إلا مطيعا، ما يجشم في أمره قولا ولا توقيعا، ففي إشارته الكفاية، وبالإيماءة يبلغ الغاية، فإذا هو تكبر على الإشارة، وتعالى على الإيماءة، أسرعت الرعية

2

إلى تفقد مبتغاه، وتحسس معناه،

3

ثم بادرت بالتلبية طيبة النفس، فرحة القلب، قريرة العين! •••

كل شيء له، وكل ما وقعت عليه عينه فهو داخل في ملكه، ما يحوز أحد دونه شيئا، ولا يملك أمر عليه أمرا، وإذا أمر فقد وجبت الطاعة، في التو والساعة، مهما جل المرام، وتعذر حتى على الرؤى والأحلام، أين منه سليمان في مرامه، وقد تعاظمه انتظار عرش بلقيس قبل أن يقوم من مقامه؟!

ناعم في ملكه غير معنى بجهد في تدبير، ولا مكدود بعبء كبير ولا صغير. •••

هو كأهل الجنة، لا يخاف وناهيك بما يورث الخوف من الأسقام.

ولا يرجو وناهيك بما يعقب فوت الرجاء من الآلام، ولا يحزن ولا يأسى، ولا يجزع ولا يشقى، وما له يفعل وقد كفل الأمان، من صرف الزمان؟!

هو دائما في أمان أي أمان، أليست ترعاه العيون، وتحوطه القلوب، ويحرسه «اسم الله»؟ ومن يحرسه اسم الله لا يناله بالأذى إنس ولا جان. •••

يفعل ما يشاء، فلا يرقى إليه حساب، ولا يتأثم من شيء فهل يلحقه عاب؟ كلا فقد عز على الشك وعلا على الارتياب! •••

يسر فتسر الدنيا، ويمرح فتمرح، كل شيء رهن به، وكل شيء حبس عليه، ينام فتخفت الأصوات، وتتعلق الأنفاس، ويستيقظ فيهب النائم، وينبعث الجاثم، فكل إنسان له عبد وكل شيء له خادم! •••

وجهه ولو شاه أجمل وجه، وخلقه وإن تنكر أحسن خلق، طلعته أبهى من البدر، وريحه أزكى من العطر، وإقباله أسعد من إقبال الدهر، كأنما صور من نفس من ينظر إليه، وكأنما صب من قلب من يحنو عليه، وأي الناس لا يحنو عليه؟

أما صوته في لغوه، فأحلى من صوت الهزار في زجله وشدوه، إذا تبسم فكأنما أشرق من الروضة آسها، وإذا لغا فكأنما ترنم من الحلي وسواسها. •••

هو نفسه للرعية، أعظم متاع وأكبر أمنية، محبب أحسن أم أساء، وهو معقد الرجاء أنى ذهب وأنى جاء.

هو ملك كبير، أما عرشه فأحنى الصدور، وأما سريره فأوثر الحجور، وأما سماطه فممدود، على القلوب تارة وتارة على الكبود، وأما في مراحه ومغداه، فأعز المطايا مطاياه، وتلك لعمري كرامة خصه بها الله!

وأما غذاؤه فأصفى ما انتضحت به المهج،

4

ولو كانت النفوس مما يمكن أن يرضع أفاويق ، والأرواح مما يستطاع أن يجري فراتا في مساغ الريق، لآثرته بذاك الرعية، طيبة النفس صادقة الأريحية! •••

أسعدك الله أيها الطفل وأصحك ورشدك، حتى تضطلع بنصيبك من الأعباء، كما اضطلع بعبئك أنت الأمهات والآباء، ما سألوك فيه أجرا، ولا اقتضوك عليه شكرا، اللهم آمين.

| الطفل الشريد1

وجه مغبر شائه كأنه معفور بتراب قبر، وصدغان غائران كأنهما من أثر خسف، ووجنتان ناتئتان حتى أمستا كركبتي بعير، وقد لصق جلده بعظمه، حتى لا يقوى قبره على قشره، إلى يوم نشره، وهاتان عينان دائمتا التحير والاضطراب، تتناهبان النظر من كل ناحية، ولو استطاعتا أن تنظرا إلى الأقطار الستة معا في آن، لفعلتا على طول الزمان!

هذه رجل حافية، وهذه أسمال

2

بالية، تفرقت فتوقا وخروقا، وتفصلت مزوقا وشقوقا، تكشف من البدن أكثر مما تداري، وتفضح من السوأة أعظم مما تواري، على أن القذر قد أضفى عليه رداء محكم النسج متلاحم الأجزاء، وناهيك برداء القذر من رداء!

ليت شعري، أهذا شبح من أشباح الظلام، أم هو طيف من أطياف الأحلام؛ تنكرها الأيدي وإن تراءت للعيون، وتريك ما لا تظن أن يكون كيف يكون!

ها هو ذا يثب من ها هنا، ويقفز من ها هنا، لا يقر له على الأرض قرار، كأنما هو كرة تتقاذفها الأقدار، سواد الليل وبياض النهار!

المختار · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٦٠