ها هو ذا دائم الاختلاج عن يمينك وعن شمالك، حتى يشتت شمل طرفك، ثم إذا هو قد امحى كيف تمحي الأشباح، إذا أشرقت شمس الصباح.
ها هو ذا يرتصد للكسرة بين يديك إن كنت آكلا، ولعقب «السيجارة» تلقيه إن كنت مدخنا، وقد يأخذ عينه لقى
3
من فضالة الطعام خسيس، قد يعافه الغراب، وتعف عنه الكلاب، فإذا هو قد ارتج ارتجاجا، وكان يسيل اضطرابا واختلاجا، وجعل بصره يدور في كل ناحية، مترقبا سطوة القدر بكل داهية، ثم انقض على فريسته انقضاض العقاب، وطار بها حتى اختفى في السحاب!
هو دائم الخوف، متصل الفزع، يخاف من كل شيء، ويفزع حتى من لا شيء، يتوقع الأذى من كل إنسان، ويترقب البطش به أنى كان، كل ما في هذه الدنيا ساهر على إيذائه، جاهد في كيده وبلائه، فكيف له في هذه الدنيا بالقرار، وهل أمسى له من الأذى معاذ إلا بطول الفرار؟ حقا لقد باتت حاله شرا من حال من عنى الشاعر:
وضاقت الأرض حتى إن هاربهم
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ولكن أين المفر، وهو لا يفلت من ترقب شر، إلا إلى توقع ضر؟!
ثم إن طول جهد النهار ليسأله المضجع في بعض الليل، وقد يكون الليلة زمهريرا، فيجري ثم يجري وهو خائف يترقب، حتى يلوح لعينه مرقد في كنف جدار على ضاحية
4
الطريق، فإذا أمن رقبة العيون المذكاة
5
عليه من كل جانب، تسلل فأوى، ويا بئس المأوى، وترى هل يواتيه بعد هذا الجهد نوم إذا لم يزعجه عنه العسس،
6
أزعجه خوف العسس؟ ثم انتفض في السحرة ما أحس قرارا، ولا نام إلا غرارا!
7
لا «يذوق» النوم إلا غرارا
مثل حسو الطير ماء الثماد
لقد حرم المسكين عطف الأب وحنان الأم، كما حرم رفد الخال وعون العم، ولم يجد ما يعوضه عن شيء من ذلك ولو بمزقة من رحمة الرحماء؛ بل ما أصاب من الناس إلا بلاء وتوقع بلاء، فهل تظن أن مثل هذا يجد لإنسان رحمة أو يحس لشيء رقة وحنانا؟ اللهم إنها لكبد قد تحجرت فما تطرقها رحمة، وإنه لقلب يغلي غليان القدر من حقد ومن اضطغان، ولو قد صانعه القدر فاستطاع أن ينفث ما في صدره، لاستحالت هذه الأرض فحمة سوداء!
ثم إنه لا يميز حلالا من حرام، ولا يفرق بين طريق الخير وطريق الإجرام، كل شيء مباح، لا يصد عنه إلا بطش الظلمة السلطاء!
ولقد يصكه على أم رأسه من لداته
8
أو من غيرهم من هو أشد منه قوة، وقد يركله في بطنه، وقد يناله من هذا أو من هذا أذى كبير لعله يبلغ في بعض الحين حد التلف، فلا يشكو ولا يستعدي، لأن هذا حق الأقوياء على الضعفاء! •••
ها هو ذا يسعل سعالا رفيقا مسمعه ، لينا موقعه، لو أرهفت له الأذن لخرج لك منه نغم حزين يخز الحشا، ويخد الكبد خدا.
الله أكبر! لقد أقبل وشيكا مقوض الرئات، وسفير الممات!
فيا معشر القادرين الأقوياء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء!
| إلى أين؟ إلى أين؟1 ألا من قرار؟! ...
لست أدري لعمري: فيم أنا الآن؟ تالله ما أراني في شيء أبدا لأنني لا أشعر بأنني مجتمع الشمل بهذا «الآن»! ولا أراني شعرت بهذا قط في طول الحياة!
ما اطلعت على ساعة من ساع الزمن إلا رأيتني مشغولا عنها بالانحدار إلى التي تليها، ولا صرت إلى يوم من الأيام إلا أحسست أن همي إلى ما وراءه، ولا أفضيت إلى سنة من السنين إلا كان بالي إلى ما بعدها وشغلي كان به، فأنا من يوم طالعت هذه الدنيا لا أجدني إلا على سفر دائم لا لبثة فيه ولا هوادة، ولا مناخ لراحة ولا لزاد، سير في النهار مغذ، وسرى في الليل حثيث!
اللهم إني لأبتغي القرار في هذه الدنيا ولو ساعة واحدة أستريح فيها إلى نفسي وأشعر بالسكون معها والاطمئنان!
اللهم إني لأبغي أن أجدني في مساحة من الزمن، ولو ضاق ما بين حديها، فأستشعر السكون، وأفرق بين ما كان وبين ما يكون، وأستطيع في كل أثناء هذا الزمان، أن أعرف: فيم أنا الآن!
ولكن كيف لي بهذا ومن ورائي ذلك السائق الخفي المرير،