تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إنك تسألني: أيختلف حب الولد باختلافهم في الصفات من الجمال والقبح، والنجابة والغباء، وحسن الأدب وسوء الخلق، والنشاط والكسل، والنجاح والخيبة، وغير ذلك من الصفات.

لعله قد وقع لك يا سيدي في بعض ما تقرأ جواب ذلك الأعرابي الذي قيل له: ما بلغ من حبك لفلانة؟ فقال: «والله إني لأرى القمر على جدارها أحسن منه على جدران الناس!»

لقد ترى أن هذا الأعرابي كذب أشد الكذب، لأن القمر على جدار صاحبته كالقمر على جدران سائر الناس، ولقد تراه صادقا أتم الصدق لأنه يرى القمر على جدار صاحبته أحسن منه على جدران سائر الناس، وكذلك الولد فإنك لا تكاد ترى فيهم إلا جميلا، أو على الأقل إنك لا تكاد تلمح عيوبهم سواء أكانت خلقية أم نفسية إلا بعد شيء من التأمل والتفكير، أما ما دمت ترسل النظر فيهم عفوا بلا تعمل، فإنهم عندك أحسن الأولاد، ذلك بأنك إنما تنظر إلى كبدك، أو على الصحيح إنما تنظر إلى نفسك، وأنت خبير بأن المرء قل أن يتفطن إلى عيوبه، ولو قد تفطن إلى شيء منها فإن أمره لا يتعاظمه كما يتعاظمه مثله في غيره من الناس، وكذلك ترى الرجل لا ينكر من بنيه بعض ما ينكر من غيرهم من الأبناء، إذ كان يقدر هؤلاء بالعقل والفكر، أما أولاده فإنما يقدرهم بالعاطفة والهوى، ما يكاد يلابسهما تفكير ولا تدبير.

نعم، لقد يكون في الولد عيب خلقي واضح، ولقد يصاب بالآفة من شأنها أن تثقله عن السعي في الحياة، ولقد يبلغ من انحراف الطبع وفساد الخلق وسوء الأدب أقصى الغايات والعياذ بالله، فإن موقع ذلك من نفس أبيه، وحظه من التقدير عنده، أضعف من قدره في الواقع ومن قدره عند الناس، وإن ذلك ليسوءه بالضرورة، وقد يكدر عليه عيشه، وقد يهيجه ويثير على الولد سخطه، قد يبلغ ذلك به كل هذا، ولكنه لا يحط من حبه لولده وإيثاره له على أي حال، بل إن ذلك منه لدليل على هذا الحب والإيثار، فما ساءه ولا كدر عيشه ولا أحنقه ولا أسخطه إلا الرحمة له، والشفقة به، والأسى على أنه لم يكن من أسعد الناس أو أنه لا يكون أسعد الناس.

بل إن الوالد لقد يتمنى الموت لولده في بعض الحين، لا بغضا له ولا اضطغانا عليه، ولكن رحمة به وشفقة مما يجني عليه سوء أخلاقه، حيث لا رجاء فيه لخير ولا لصلاح؛ فشأنه في هذا شأن من تضرب العلة أعز الناس عنده وأكرمهم عليه، العلة المعنية الشديدة الإلحاح بآلامها وبرحها، والتي لا يعرف الطب لها شفاء، ولا منها نجاء، وإنه ليتعجل له الموت رقة له وإيثارا له بالاستراحة مما يعاني من هذا العذاب الشديد، على حين أنه أشد الناس لموته جزعا، وأعظمهم منه ورعا وإشفاقا! •••

وأخيرا أراك تسألني: كيف يستقيم الجمع بين حب الولد إلى هذا الحد وتمني أكثر الناس لو لم يكن الولد بعد أن قد كان؟

ولست أشك يا سيدي، في أنك إذ كنت تصوغ هذا السؤال قد قدرت الفرق الواسع بين تمني أن لو لم يكن الولد، وتمني هلكه بعد أن قد كان، فاعلم إذن أنه ما يشبه لهذه المنية إلا غلوه في حبه، والرقة له، والشفقة به مما يلقى أو مما عسى أن يلقى في هذه الحياة من علل وأسقام، ومن برح ومن آلام، على أنه وقد خرج إلى الدنيا فلا يكون له من أبيه إلا ما جلوت عليك بعضه في هذا الحديث، فلقد تعاصى علي أجله. •••

وبعد، فما أراني بعد هذا كله بلغتك ما تحب ولا جليلا مما تحب، بل إني لأخشى ألا أكون قد بلغتك شيئا أبدا! على أنني أدلك على من يستطيع أن يصف لك ما استوصفت في أوضح صورة وأدق تعبير، حتى يتهيأ لك أن تتذوق حب الولد في جميع صوره وأشكاله، وليس يجشمك طلب هذا إلا أن تسرع فتبني

2

عسى أن ترزق أولادا، فهؤلاء الأولاد وحدهم هم الذين يستطيعون أن يجيبوك إلى ما سألت أبرع إجابة، ويصوروا لك هذا الحب أصدق تصوير!

| الطفل ملك صغير

بل هو ملك كبير، بل هو أعظم الملوك شأنا، وأقواهم سلطانا، مملكته منيعة لا تقلقها جارة، ولا يزعجها عدو بغارة، وهو مطلق الأمر في حكمه لا يقيده قيد، ولا يحد من سلطانه حد، ولا تشركه في تصريف الأمر يد، ولا يقوم بإزاء أيده قوة ولا أيد،

المختار · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٥٩