وإني لأذكر في هذا المقام أنني احتسبت ولدا لي كان وحيدا، فجن جنوني، وفعل بي الأسى الأفاعيل، وقد انتهى إلى أبي رحمة الله عليه بعض ما أصنع أو بعض ما يصنع الوجد بي، فدعا بي وقال لي: بلغني أن الجزع قد بلغ منك إلى أنك تفعل كيت وكيت، أفلا آثرت الاحتمال وتجملت بالصبر على هذا كما احتملت أنا وكما صبرت؟ فسكت لأنني لم أصب قولا أقوله، فأقبل علي رحمه الله وأخذ يدي كلتيهما في يديه، وقال: اسمع يا ولدي، إذا كنت قد حزنت لموت فلان مرة فلقد حزنت لموته مرتين! فرفعت وجهي إليه وقلت له في شيء من الدعة والرفق يخالطهما كثير من الدهش: وكيف هذا؟ فقال في لوعة شعرت بما يعانى في مجاهدتها: لأنه إذا كان ابنك مرة فإنه ابني مرتين! ورأيت الدمع يترقرق في عينيه ولكنه لا يأذن له في أن يتجاوز المحجرين، ووالله لقد سرى هذا الكلام عني كثيرا إذ قد علمت أنني في هذه المصيبة صاحب أضعف السهمين!
وإن تعجب لشيء فاعجب لهذا الإنسان الأثر الشديد الأثرة، الحريص على الحياة أبلغ الحرص، والكلف بها أشد الكلف، والذي يود لو يمتد عمره إلى ما وراء أعمار الناس جميعا، هذا الإنسان يفرق أشد الفرق من أن يتقدمه إلى الفناء ولده، وإن اللذة كلها والسعادة جميعها لتتمثل له في تصوره أن ولده سيعلله إذا شكا، ويقلبه إذا مرض، ويغمض جفنيه إذا مات، ويسوي عليه التراب بعد أن يفضى به إلى لحده! •••
ثم إنك تسألني: أيكون حظ الأبناء من حب أبيهم واحدا، وأنهم كلهم فيه بمنزلة سواء أم أنه يختلف باختلافهم بالصغر والكبر، والذكورة والأنوثة، فاعلم يا سيدي، أنك على إغراقك في حب أبنائك جميعا، وشمولهم بلون من الحب لا يشركه في مذاقه سواه، فإنك واجد لحب كل منهم كذلك شعورا خاصا لا يشركه فيه غيره ولا يزاحمه عليه سواه، فحبهم أشبه بالجنس عند أصحاب المنطق تحته أنواع، وإنك لتصيب من التفاح ومن الكمثرى ومن العنب والتين وغيرها من ألوان الفاكهة فتلتذها كلها فكلها حلو لذيذ؛ على أن ما تجده لهذا من الطعم غير ما تجده لذاك، ولله شوقي بك رحمة الله عليه حين يقول في وصف الخمر:
حمراء أو صفراء، إن كريمها
كالغيد، كل مليحة بمذاق
والواقع أن الإنسان لو قد حد حسه، وأرهف شعوره، وراح يتدسس في أعماق ضميره ليتفقد حقيقة هذا الاختلاف، ويتعرف وجهه، لرأى أن مادة هذا الحب واحدة وجوهره غير مختلف، ولكن سن كل ولد، وظروفه وأسبابه وجنسه تتناول صورة حبه بالتشكيل والتلوين.
ولقد زعمت لك في بعض هذا الكلام أن حب الولد مزج من عواطف كثيرة أسطعها الرحمة والحنان، فإذا كان الوليد في المهد فإنك لا تكاد تجد له إلا هاتين العاطفتين، فإذا تقدمت به الأيام حتى درج وجعل ينطق ببعض اللفظ ، أضيف إلى هاتين شيء من الأنس به والطرب له، فإذا تقدمت به الأيام فجعل يثب ويلعب، ويقلد في بعض الأقوال، ازداد بك هذا الأنس وهذا الطرب، وأحسست إلى ذلك جديدا، هو أن هذا الغلام يشغل من لهوك صدرا عظيما ما لك منه بد ولا لك عنه غناء، فإذا تقدمت به السنون حتى استوى للتربية والتعليم، دخل على كل أولئك شيء من الإيثار له بإجماله بالطاعة والنجابة وحسن الأدب مع الناس، وشيء من التأميل الرفيق في أن يكون في مستقبل شأنه من الناجحين، وكلما اطردت به السن ربت هذه العاطفة له واشتدت حتى تكاد تغمر سائر ما تجد له من الأحاسيس، فإذا اغترب أو مرض أو أصابه مكروه من المكروه، عادت تانك الخلتان إلى سطوعهما حتى لا يكاد يشعر له إلا بالرحمة والحنان، لأن شأنه في ذلك أولى بالرحمة والحنان!
أرجو أن تكون قد فهمت الآن حق الفهم الوجه في قول ذلك الذي زعم أن أحب بنيه إليه صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يحضر، ومريضهم حتى يبرأ، ولعلك كذلك تكون قد استخرجت من كلامي أن أسطع العناصر في حب البنات إنما هو الرحمة والعطف والإشفاق، لأنهن ضعيفات ما لهن بعراك الأيام يدان. •••