تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تكون له فترة يقبل فيها على جس نبضه، ثم تراه قد دخل في الغشية ولحقه الذهول، فزاغت عيناه، وتقلصت شفتاه، وأرعشت يداه، وجعل يطفو ويرسب في كرسيه؛ وأومأ فتطاير الخدم يطلبون الأطباء من كل مكان!

وكذلك قضى العمر إلى غايته مشغولا عن متع الحياة ومطالب الحياة بشدة الحرص على الحياة!

وقد مرض حقا وألحت عليه العلة وأيس منه أساته، وجاءني أنه لا يعد يومين، فأسرعت إلى عيادته وأنا أرجو ألا يكون قد اطلع على حقيقة علته، فيموت قبل أن يموت!

وجلست إليه فإذا هو يفطن إلى خطبه، وهو يشعر بأنه لن يطوي على ظهر الأرض يوما حتى يطويه بطنها طيا، أفرأيته من الموت كان مذعورا منخلع القلب مستطار اللب؟

كلا والله! فإني لقد رأيته وهو يستقبل الموت هادئ السعي، وادع النفس، يتجمع ليتحدث في هذه الأسباب الدائرة بين الناس، حتى يخذله لسانه، وتتخلف عنه قواه، فيرخي جفنيه ويدخل في مثل السنة؛ ثم ينتبه وعلى شفته ابتسامة عذبة أعرفها له وهو في صدر الشباب، وقد يحاول أن يدور بلسانه في ملحة أو نادرة مستطرفة فيعيى عليه الكلام، فيحاول أن يتعلق إلى شأنه بشيء بين الضحك والابتسام، ثم يعود إلى إغفاءته في غبطة ودعة وارتياح.

وظل هذا شأنه حتى دخل في الحشرجة، وفارق هذه الدنيا ورحمه الله!

قال محدثنا: أفرأيتم كيف كان رفق الطبيعة بالإنسان؟

ليس من سبيل إلى توقي غير الدهر والعصمة من كوارثه؛ والناس - ما عاشوا في هذه الدنيا - أهداف للمصائب، وأعراض للنوائب، وهم أبدا مهتمون بها دائمو الجزع منها، وإنما يكون إشفاقهم من رزايا الدهر، وجزعهم على قدر قربهم منها أو بعدهم عنها، كذلك يتفاوت ما يتداخل نفوسهم من الوجد والفرق بتفاوتهم في قوة القلب، ومتانة الأعصاب، وثبات الإيمان.

وعلى كل حال، فإنه ما من مصيبة في الأرض إلا كان موقعها أهون وأخف من توقعها، وهذا - كما قلت - من رفق الطبيعة بالإنسان، وإن في حديث صاحبي الذي قصصته عليكم لعبرة.

فقال بعض الحضور: وعلى هذا صح المثل العامي القائل: «الوقع في البلاء ولا انتظاره!»

فبادره آخر بالمثل العربي: «الناس من خوف الذل في الذل».

وتمثل ثالث بقول كثير:

فقلت لها يا عز كل مصيبة

إذا وطنت يوما لها النفس ذلت

وجعل رابع يردد قول الشاعر:

لا أستقيل زماني عثرة أبدا

ما شاء فليأت إن الشهد كالصاب

6

وتفرق عند هذا مجلس الإخوان، فعزمت لأسامرن به قراء «ليالي رمضان».

| قصة1 حياء!

وفتى يشرب المدامة بالما

ل ويمشي يروم ما لا يرام

تركته الصهباء يرنو بعين

نام إنسانها وليست تنام

جن من شربة تعل بأخرى

وبكى حين ثار فيه المدام

كان لي صاحبا فأودى به الده

ر وفارقته عليه السلام

وحين أترجم لموضوع اليوم بكلمة «قصة» لا أعني الرواية ولا ما يشبه الرواية ؛ فإنني لا أشيع فيها خيالا، ولا أخترع لها أبطالا، ولا أخلق مفاجآت، ولا أبتكر مواقف، ولا أمد لها مغزى يصيب غرضا، ولا أعالج تحليل نفس أو فكرة، لأنني لا أجيد هذا الضرب من البيان ولا أحذقه، بل إنني لم أحاوله قط طول حياتي الكتابية، وإنما أقص حادثة وقعت بسمعي وبصري، فإن هي أصابت غرضا أو اتصل بها مغزى، فذلك من صنعها نفسها، لا فضل لي من ذلك في كثير ولا قليل.

كان لي صاحب شاب نشأ في الحسب، وتقلب في شيء من النعمة، وأصاب حظا من العلم، وكان يكلف كلفا شديدا بالأدب، فلا يخلو بنفسه إلا أكب على ديوان شعر لواحد من متقدمي الشعراء، فإذا سقط على كلام جيد رائع جعل يترنم به، وإذا وقع له في نثر النثار أو في خطب الخطباء كلام بليغ راح يشيع فيه نفسه ويقلب به لسانه، وكان رحمه الله إلى هذا عذب الروح، جم التواضع حاضر البديهة، حلو الحديث، ولكنه مع هذا كله كان شديد الحياء حتى لترى فيه خفر الفتاة الكعاب، يتحامى مجالس الناس ولا يتهافت عليها، فإذا قضت عليه الأسباب بأن يدخل في غمرهم عقد الحياء لسانه، وملك عليه بيانه.

المختار · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٥٢