عبد العزيز البشري
| عبرة1
جلست ليلة أمس إلى بعض أصدقائي وجعلنا نسمر، فقص واحد منهم علينا القصة الآتية، قال:
كان لي صديق، وكان رحمه الله عذب الروح، سلس النفس، قوي العاطفة، متسعر الذكاء، حلو الحديث، حاضر الفكاهة، وكأنه قطعة ناضرة من الغبطة وحلاوة الأمل.
ولقد أحب الحياة وغلا في حبها، وأبغض الموت وأسرف في بغضه، وسبيل الموت في العادة هو المرض، فكان إذا ذكر المرض طار قلبه فرقا من ذكر الموت!
وكيف يتقي المرض ويتحامى أسبابه؟ لقد جاء بطبيب والتزمه بياض نهاره وسواد ليله، فلا يهب من فراشه إلا إذا أمره بالهبوب، ولا يطمئن إلى مضجعه إلا إذا أذنه بالاطمئنان، ولا يخرج من داره لطلبة أو لفرجة إلا إذا أشار عليه بالخروج، ولا يبدل ثوبه أو يحف لحيته أو يتروى بجرعة الماء إلا إذا أوحى إليه الطبيب، فإذا استويا إلى المائدة وقربت ألوان الطعام تحرم أو يقول له الطبيب أصب من هذا اللون وأقلل، ونل من هذا وأكثر، وبقي عليك لتسيغ هذه اللقمة ست مضغات، وبقي عليك لتزلق هذه المزعة
2
إحدى عشرة!
وجاء بكتب الحكمة، وطلب المجلات الطبية ما يخرج منها في العربية وما يخرج في الفرنسية، وجعل يديم النظر فيها والإكباب على تفهم مباحثها، وما قاله العلماء في اتقاء الأمراض وعلاجها، وما لوح به المستكشفون من إمكان التوصل إلى مدافعة الموت وإطالة الحياة، ولكنه لقد يصافح إنسانا وقد يمس آنية أو يلمس ثوبا، فسرعان ما يفزع إلى ألوان المطهرات: هذا يغسل به يديه، وهذا يضمخ
3
به ثوبه، وهذا للمضمضة، وهذا للاستنشاق!
ولكنه يتنفس ولا غناء له عن أن يتنفس، وقد يجر نفسه نسمة مؤذية بما تحمل من «المكروبات»، فهو دائب على تجرع الأدوية: هذا لتطهير الحلق، وهذا لتنقية الرئتين، وهذا لتنظيف المصران
4
الدقاق، وهذا لترويق الكبد والكليتين!
ولكن قلبه يضرب، ومن آية الحياة أن يضرب القلب، أفأمن بين ساعة وأختها أن تختل ضربات قلبه فتكون نفسه
5
في إحدى جمحاته؟ فتراه طوال يومه مكبا على كرسوع يسراه ببنان يمناه، و«ساعته» في حجره ليعد ما تدور عليه كل «دقيقة» من ضربات قلبه: لقد استوت سبعين فالحمد لله! لقد ازدادت إلى تسعين فوا حر قلباه! لقد تدلت إلى ستين، وذلك فتور وانخذال، لقد هبطت إلى سبع وخمسين، وذلك من نذر التلاشي والانحلال! الأطباء! الأطباء! علي «بكنصلتو» ينتظم فلانا وفلانا وفلانا من كبار الأطباء! ...
ويدور البحث والفحص والتقليب، والتسمع والجس والتحليل، فيخرج من هذا كله أن الأمر لا يعدو فتورا في أعضاء الجسم يذهب بفنجان قهوة أو بجرعة شاي!
وسرعان ما ينبعث في صاحبي نشاطه، وتعود إليه نضارته وفتاء قوته، وقد يستقبل حديث المرض هنيهة فيأخذ في حديث الناس، ويتبسط إلى الصحاب بالنادرة اللطيفة، ويحاضرهم بالملحة الطريفة، وما يزال هذا شأنه حتى يرميه بابه بزائر، فإذا سقط لسانه بأن فلانا قد مات، تربد وجهه، وتتعتع لسانه، وتزايل هيكله في مجلسه، وتاهت حدقتاه في محاجرهما، وشد نفسه شدا ثم تهافت بها على الزائر يسأله: وهل مرض فلان هذا وهل شكا؟ وماذا كانت علته؟ ومتى ابتدأت شكاته؟ وما الذي كان يظهر عليه من أعراض الداء؟ وهل كان يحس وجعا؟ وفي أي موضع كان يستشعر الألم؟ وما صفة الدواء الذي كان يتناوله؟ ومن الطبيب الذي كان يعالجه؟ وهل فحص عن قلبه؟ وهل كان يعد ضرباته؟ إلخ! ...
ثم إنك لتشعر أن قد نشبت في نفس المسكين معركة هائلة بين الرجاء في الحياة وتوقع الموت كما مات فلان هذا فيكون الفوز في صدر هذه المعركة للأول، إذ تراه قد شد متنه، وأقبل يحدثك في قوة وحماسة عن صحة قلبه وسلامة سائر جوارحه، وأن جمهرة الأطباء قد أكدوا له ذلك وأقاموا عليه أبلغ البراهين وأدمغ الحجج؛ حتى لقد صح لهم أن قلبه من السلامة بحيث لا يقع مثله إلا في كل ثلاثة آلاف قلب لا يسلم واحد على علة.