تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان عصبي المزاج يثيره التافه من الأمر فيغضب، ولكن الغضب لا يصل من نفسه إلى أبعد من السطح، فهو كالغدير تثير صفحته العاصفة، ولكن باطنه كله سهل وادع رفيق.

ولقد جرى عليه القدر، فعلق فتاة يصل أهلها بأهله بعض السبب، وكانت حلوة نجلاء العينين، لها فم دقيق بديع، إذا افتر افتر عن مثل حب الغمام، أو عن عقد من الدر بديع النظام، مدملجة الجسم، ممشوقة القد، مشرقة الوجه، حتى لتحسب أن وجنتيها تجول فيهما الشمس، وكانت إلى هذا مرحة لعوبا تكاد من خفة الروح ومن شدة المراح تطير.

وهو يرتصد لها في مغداها ومراحها، ولربما استهلك في ذلك يومه الأطول، حتى إذا جازت به أسبل عينيه، أو لفت النظر إلى شيء آخر من الخجل والاستيحاء!

ولقد حدثني أنه جاز في رفقة من صحبه ببيتها صباح يوم، فإذا هي في ثياب التفضل تقطف من الحديقة أزهارا، فلما رأتهم توارت منهم في بعض الشجر، قال: فتشجعت وأرسلت نظري، فإذا غصن تتدلى منه وردة لم ير الراءون شبها لها في الزمان! •••

وأخذ فيه الهوى، وألحت عليه الصبابة، ولحقه من الوله عليها ما نقرأ مثله في الكتب فلا نصدقه.

ويشاء الله أن تدعو أهلها بعض أسبابهم إلى التحول عن القاهرة، فتحولوا وامتلخوا معهم قلب صاحبي المسكين، فكيف حيلته؟ وكيف له بتعليل ما يغمز على كبده من هوى وصبابة؟ لم يجد المسكين حيلة إلا أن يفزع إلى الشراب، فكان يصطبح

2

ويغتبق،

3

ويسكر ما تهيأ له السكر في الليل أو في النهار، فإذا زجره عن هذا زاجر، أو وعظه واعظ، تمثل بقول الشاعر:

فأصبحت ألحى السكر والسكر محسن

ألا رب إحسان علي ثقيل

وكان إذا جمعه المجلس، حتى المجلس الطلي الظريف، استوحش واستشعر الوحدة، فتسلل وانتبذ بنفسه ناحية ليأنس باستحضار هواه، فكان في هذا يذكرني قول الشاعر العربي يصف لبنته ما يجد من فراق أهله:

إذا عن ذكرهمو لم ينم

أبوك وأوحش في المجلس

ويذكرني قول الآخر (ولعله مجنون ليلى):

وأخرج من بين الجلوس لعلني

أحدث عنك النفس في السر خاليا

وإني لأستغشي وما بي نعسة

لعل خيالا منك يلقى خياليا

وقلت له مرة في ذلك، فقال: اسمع يا فلان! لقد خلصت حياتي كلها لها وتجردت نفسي فيها، وانقطعت حواسي إليها، وأصبحت هي جميع مادتي وعناصر وجودي؛ فكيف تريدني على ألا أشتغل بها أو أحتبس على التفكير فيها؟ والله يا فلان! إني لأراها طول يقظتي كما أراها طول نومي، فإنني ما رأيت درة قط إلا حسبت أنها انتزعت من ثغرها، ولا أبصرت مرآة قط إلا ظننت أنها استعيرت من صدرها، ولا طالعت وردة ناضرة إلا خلت أنها قطفت من خدها، ولا تمثل إلي غصن من البان إلا أحضرني صورة قدها، ولا سطع لي عبير إلا شعرت أنه من شذاها، ولا فصحني نور إلا قدرت أنه من إشراق محياها ، ولا سمعت شدو القمري إلا سمعتها تتكلم وتلغو، ولا طاف بي النسيم إلا تمثلتها تلعب وتلهو، ولا طلعت الشمس إلا رأيتها فيها، ولا استتم البدر إلا خلتها تعلو على الدنيا كبرا وتيها، وإني لأرفع بصري إلى السماء فأرى لها هودجا في موكب السحاب، وأخرج إلى الفلاة فإذا هي التي يترقرق بها السراب، فهي سعدي وهي نحسي، وهي نعيمي وهي بؤسي، وهي لذتي وألمي، وهي صحتي وسقمي، وهي نعمتي وبلائي، وهي حياتي وفنائي، ثم أقبل علي وقال لي في خوف وورع: فما حاجتكم إلى أن تقطعوا ما بيني وبين نفسي؟! •••

ولقد ظل صاحبي على شأنه قرابة عشر السنين، وانتهى إليه في بعضها أن الفتاة زفت إلى بعل، وكانت هنالك في ظنه عواثير تحول دون خطبتها له وتزويجها منه، فاجتمع عليه ألم الصبابة وألم الغيرة معا، واستوحش المسكين وآثر الوحدة، وألح على الشراب وأكثر من الخروج إلى الفلوات، ولعله لم يكن يطالع بكل مداخله إنسانا قدر ما كان يطالعني، ثقة منه بإيثاري له وفرط محبته، وكتمان مستوره، وكان رحمه الله إذا عرض الخاطر في هذا يتمثل بقول جميل:

المختار · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ٥٣