تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعلك رأيت أو سمعت بمحل «سلفريدج» مثلا في لندرة، ففيه مكتب للسياحة، وفيه مكان لبيع جميع صحف العالم، وفيه مطعم فاخر، وبهو (صالة) لتناول الشاي، ومكان للمطالعة، وآخر لبيع جميع المأكولات، ومخزن كبير لبيع الأثاث القديم، و«صالونات» فاخرة للحلاقة، للرجال والسيدات، وغير ذلك كثير، فإذا أعوزك شيء مما ليس عنده، وافاك به عجلا ولو كان في أقصى أطراف المعمورة، ومثل هذا المحل في بلاد الغرب كثير!

أما أنا فلم أشخص طوال حياتي إلى أوروبا، ولا إلى أمريكا، ولا أستراليا، ولم أشهد حتى بيت المقدس، ولا الصخرة المقدسة، ولا المبكى الشريف الذي تدور حوله كل هذه المعارك بين المسلمين وبين من صبهم وعد بلفور عليهم من الصهيونيين!

ولكن أرجوك يا سيدي القارئ أن تصدقني إذا زعمت لك أنني سافرت إلى بنها، وأعني بنها العسل، وكان هذا السفر من نحو ثلاثين سنة خلت.

وكتب لي يومئذ أن أشهد فيها متجر المرحوم إبراهيم باشا عبده (سر) تجارها، يومئذ، فإذا هو أشبه بسوق عظيمة رفعت من بين خاناتها ودكاكينها الحدود والحوائل، ومن هذا المتجر تشتري الحرير، و«الباتستا»، والبياض، ومنه تشتري الفحم، والجير، والإسمنت، ومنه تشتري المصوغات الذهبية والفضية، كما تشتري الحديد والخشب والطوب الأحمر!

ثم إنك لواجد فيه حاجتك من الجوارب و«الفانلات»، والقفازات، كما أنت واجد فيه مطالبك من النظارات، وساعات الجيوب، وساعات الحائط أيضا! ولا تنس السرر وأصناف الأثاث (الموبليا) وأصص (قصاري) الزهور!

ثم هناك تجد آنية النحاس على اختلاف أشكالها وأحجامها، كما تجد أصناف العطارة من أولها إلى آخرها، وهناك السمن والعسل، وهناك الزيت والخل والبصل، وهناك كل ما شئت من أدوات المائدة وفراجين (فرش) الحلاقة، والحلوى، و«الشربات»، و«الكازوزة» والطرابيش، والأحذية، وحلل (بدل) السيدات والرجال والأولاد! وهناك الورق والأقلام والمحابر والمفكرات والكراسات والدفاتر.

هناك كل شيء، ولا شيء إلا وهو هناك!

وتسألني: أكان هذا الضرب من المتاجر في بلادنا مصر؟

وأجيب: نعم، وكان في بنها؛ وكان، كما زعمت لك، من نحو الثلاثين من الأعوام.

وموضع الشاهد في هذا أن صاحبنا «البطل» المطلق أو العمومي، لا يقل عن مثل هذا المتجر الضخم العظيم كفاية ولا غنى ولا مواتاة، ولا إسعافا «للزبائن» بما يريدون من جميع الطلبات!

تذكر أمامه الفروسية في الحرب، فيذكر لك ما أبلى فيها من كر وفر، وكيف سداده في البراز والنزال، وكيف يحمل وحده على الجمع الكثيف من الأبطال، ولا تسل كيف يصنع في هذه الحملة، من قط الرءوس وبري الرقاب «بالجملة»؟

فإذا كان الحديث في النساء وغرام النساء، أسرع فحمد الله تعالى على أن المرحوم «فالنتينو» قد مات وأكله الدود، وإلا لكان الآن في التماس النظرة على رصيف سيدي أبي السعود!

وقل مثل هذا وأبلغ منه إذا كان الحديث في جياد الخيل أو في الطعام والشراب، أو في الأثاث والثياب، أو في الصيد والقنص، أو في الحجل والرقص، أو في الموسيقى وفنون النغم، أو في تنسيق الحدائق وتربية الطير والنعم، وادخل فيما شئت أن تدخل فيه، فإنه «ببطولته» ولا شك موافيه، حتى لو عرضت لكنس الدار وغسل «الحلل»، لجلى عليك من نفسه في هذا بطلا أي بطل! •••

وبعد، فإنني أتشرف الآن بأن أقص عليك طائفة يسيرة من أحداث بطولات هؤلاء «الأبطال»، سواء أكانوا من الإخصائيين، أم من الشائعة بطولتهم الجبارة في جميع شعب الحياة.

ولعلك لم تنس أنه قد سبق لي أن وصفتهم بكرم الخلق والتواضع، وشدة التوافي للناس، حتى لمن لا تربطهم بهم إلا «المعرفة» البسيطة في أضيق الحدود والآن فاسمع أعانني وأعانك الله: لقد تكون جالسا في مقهى عام كالنيوبار، أو الإسبلنددبار، أو بار اللواء، أو في جروبي قديمه وجديده، أو ليمونيا الحلواني في القاهرة، أو في فرعه في مصر الجديدة، فلا يروعك إلا أن يطلع على مدخل المقهى «بطل» من هؤلاء الأبطال، ثم تراه قد ثبت في موقفه لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يتزحزح ذات اليمين ولا ذات الشمال، ولا يتحرك منه إلا عنق كاللولب، يتجه إلى هنا ثم يتجه إلى هنا، صنع مروحة الكهربا المتحركة، وقد أرسل «البطل» نظرا حديدا يدور بالضرورة مع رأسه حيثما دار، فلا يزال ينقد الجالسين نقدا، ويفحصهم فردا فردا، فإذا أصاب فيهم بعد طول التفقد والاختبار صديقا أو شبه صديق، ولو كان جالسا فيمن لا يعرفهم - أعني البطل - ولم يرهم من قبل، أسرع فأهوى إليهم «كجملود صخر حطه السيل من عل!»، وبادر فسلم على صديقه أو «بحيث» صديقه في شوق ولهفة، ثم استدار فسلم على أصحابه في تأدب وتظرف، قد تزينهما بعض الضحكات الناعمات!

المختار · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٩٤