تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا ما راجعت هذا الجبار العاتي، وسألته شيئا من الرقة لهؤلاء الوالهات المتدلهات، والعطف عليهن، ولو من قبيل «جبر الخواطر»، وفيهن أغلى الدرر، من بنات أعظم الأسر، ومن لم يقلبن الأعطاف إلا في النعيم، ولم يلابسن في أسباب العيش إلا كل جميل وثمين وكريم، وكلهن بحمد الله أحلى من البدر، وأشهى إلى النفس من ليلة القدر: لقد تراجعه في هذا فسرعان ما تثور ثوائره، وتقسو عليك بوادره، فيلقاك في هياجه، بأشد حدته وأحد احتجاجه، فيقول لك مثلا: حقا لقد قست القلوب وتحجرت، حتى أصبحت الرحمة لا تجد إليها سبيلا!، وهل جاءك يا سيدي أنني من بعض الحجارة أو من بعض الحديد؟ وإن الحجارة لتتفتت وإن الحديد ليذوب! وكيف حيلتي في كل هذه الجيوش التي لا يلحقها عدد، ولا ينقطع لها على الدهر مدد؟ وهل قلت لهن أحببن وتولهن، واعشقن وتدلهن؟ وترى هل خلا وجه الأرض من الرجال، فلم يبق غير «أخيك» هدفا لصبابة ربات الحجال؟

وهنا أردت يا سيدي أم لم ترد، تحس عاطفة قوية نحو هذا «البطل»، هي عاطفة الرحمة والإشفاق، حتى إنك لتفكر، إن كنت من أهل السلطان أو من المتصلين بأصحاب السلطان، في السعي لدى وزارة الأشغال لتدخل في مشروعات الري والصرف الجديدة، إنشاء قدر كبير من الترع والمصارف، ليتحول إليها جانب من هذا الغرام الطاغي، وإلا ساءت الحال، وحق على البلاد الوبال!

ولقد تبادى صاحبك بالاستراحة إلى عذره، فسرعان ما يسجو طرفه، وتشيع حمرة الخجل في وجهه، ويجيبك في لهجة تحسها مزجا من الفرح والشعور بالانتصار: «مش كده ولا إيه؟» كان الله في عون هذا «البطل» المسكين، وأمده من حوله وطوله بما يستطيع معه النهوض بأعبائه الجسام!

ومن هؤلاء «الأبطال» الإخصائيون أيضا في الجياد، وفي حذق فن الجياد، وفي اقتناء كرائم الجياد، مما يفوق في صفته ما خلا من أخبار عاد، وما لم يركب مثله عنترة بن شداد، وما لم تعهد مثله العرب والأعجام، وما لم يتعلق بوصفه شعر البحتري ولا أبو تمام! وإن عنده من كرائم الجياد لما يلحق البرق إذا برق، ويسبق السلك إذا خفق! •••

ومنهم كذلك أبطال الطعام، ولهؤلاء من الخبرة بالطعام، وقوة تذوقه، وعظم تجويده، والتأنق فيه، وحسن تخيره، وانتقاء أطايبه، ما لا ينفذ إلى مكنون سره، ولا يحيط بظاهر أمره، إلا من رزق الموهبة، فلفن الطعام - لو تعلمون - مواهب لقد ترفع أصحابها إلى جبابرة الأبطال!

ولربما أقبل عليك «البطل» من هؤلاء يسألك ويمتحنك، ويدلك على قدرك في هذا، أو على الصحيح ليبعث فيك الحسرة على ما فاتك من أسعد حظوظ الحياة، وراح يلقي عليك درسا سابغا فيما يحسن أن يزيد بقله، وما يجمل أن يكثر زيته ويقل خله، وما يصهر في الشمس قبل قليه، وما يطمر في «الدمس» قبل شيه، وما يترك للندى بعد غليه، وما يحشى زبيبا ولوزا، وما ترصع حواشيه صنوبرا وجوزا، وما يكمخ سكره في بصله، وما يخلط عسله بخردله، إلخ، ثم جعل يقص عليك ما أصاب في غدائه، فتلا عليك، بظهر الغيب، قائمة طويلة لو كتبت لعاني النظر فيها سفرا طويلا، ولو تهيأ لجراح أن يبقر بطنه لساعته، لكشف المبضع عن أفخر معرض لأفخر الأطعمة في العالم! •••

وهناك بطولات وبطولات في غير هاتيك الفنون.

ولقد طال هذا الحديث، فحسبنا هذا القدر اليوم، على أن نتم الحديث، في «الأبطال» المطلقين، وفي إيراد صدر من نوادر هؤلاء جميعا، وذلك في العدد القادم إذا أحياني الله!

| بطولة (2)

رأيت في العدد الماضي من «المصور» بعض صفة سادتنا الإخصائيين هؤلاء «الأبطال»، وعرفت كذلك بعض الفروع التي تخصص فيها كل منهم والآن نحدثك عن الأبطال «المطلقين» أو «العموميين»، وهؤلاء الذين لا تتوافر بطولتهم على فن، ولا تقتصر على فرع، ولا تنتهي من أسباب الدنيا عند حد، فهي تتناول كل شيء، ولا ينشز عنها في جميع مظاهر الحياة شيء.

المختار · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٩٣