فإن لم يصب صديقا ولا شبه صديق، «فالمعارف» بفضل الله كثير؛ ومهما يكن من أمر، فإن أدبه وتواضعه ليأبيان عليه إلا أن يمد يده فيمهد له بين الجماعة كرسيا، ولو غفلوا هم عن دعوته، أو تجافى بهم سوء الأدب عن أن يبادروا فيفسحوا له في مجلسهم موضعا، وكذلك تكون مكارم الأخلاق!
ويهبط «الجرسون» ليسأل «البيك» حاجته، فيسرع «البطل» إلى الحلف بأنه لا يستطيع أن يتناول القهوة لأنها تسهد ليله، وتطير نومه، أما «الجاتو»، وأما «الكريم بالفواكه»، وأما ما يؤكل على وجه العموم فلا حظ له فيه، فقد أفرط في غدائه حتى أدركه البشم، ووقاك الله غائلة التخم، فإن كان ولا بد من شيء والأمر لله، فإنه يفضل «الكازوزة» لعلها تسلك من مجرى النفس، ما انسد بكثرة الطعام وما احتبس. •••
ولعل القوم كانوا في حديث يهمهم ويشغلهم فقطعه صاحبنا عليهم، والآن لا بأس عليهم من معاودته، بعد إذ قرت الجنوب، وجاء «الجرسون» بالمشروب، على أن صاحبنا أرفق بهم وأكرم من أن يدعهم حيارى في إيثاره «الكازوزة» على سائر ما يطلب، مما يؤكل وما يشرب، فيصيح فيهم، وقد يهز صاحب النوبة في الحديث، وهذا ليلفتهم إليه، ويعطف استماعهم عليه: تسألونني السر في إيثاري «الكازوزة» على سائر ما يقدم هنا، ولكم كل الحق، وإذا عرف السبب، بطل العجب! وكل ما في الأمر أن الله حباني بطاه لم يسمع في الزمان بمثله، وأين منه محمود القره وغير محمود القره،
1
وحين زار مصر جلالة ملك إيطاليا وتغدى عندي سرا، رجاني في أن يرسل إلي رئيس طهاته في رومة ليتمرن على يدي هذا «الولد» في طهي بعض الأطعمة التي أعجبت جلالته، وصدقوني إذا قلت لكم إنه كان من بينها «الاسباجتي»!
ويصيح الجميع في نفس واحد: «الاسباجتي؟!»
فيجيب «البطل»: نعم يا سادتي، وهذا موضع العجب، وذلك سر لا يعلمه إلا الكنت دي بليانو،
2
وسعيد باشا ذو الفقار، و«أخوكم» بالضرورة.
ولا أحب أن أطيل عليكم، فقد جلسنا للغداء فإذا حمل «قوزي» محمر لم تقربه النار، بل لقد طمره اللئيم في الرمل حتى نضج وتورد بحرارة الشمس، ووالله! وما لكم علي يمين! إن شرائح لحمه ما تكاد تقترب منها الأنامل حتى تزحف هي إليها زحفا، فإذا انحدر اللحم إلى الحلق تحلل فيه وسال من نفسه، ما أعوزه قضم ولا هرس، ولا جهدت في علاجه سن ولا ضرس!
ويأذن الله أن ترفع أنقاض هذا الحمل، فإذا ديك رومي قد حشي بالسمان المحشو بالبرغل، أما فرشه فالرز الأحمر، فيه البندق والجوز والزبيب والصنوبر.
وهنا ترى «البطل» المسكين وقد جحظت عيناه، واتسعت حدقتاه، واحتقن وجهه، وانتفخت أوداجه، وسال لعابه، وأصبح شدقه كالطبل المشدود، وترى له إلى هذا اختلاجا عصبيا، هل رأيت النمر وقد تهيأ للافتراس، وكشف عن الأنياب والأضراس؟!
ثم يدخل بك «البطل» في باب السمك، حتى إذا خض بك لجج البحار، وأراك القروص وموسى والمرجان والبوري والوقار، عطف بك على قسم الخضر حتى أتى على جميع أسواق الخضار! فإذا شاء الرحمن وبلغ الركب غاية السفر في هذه الرحلة، فوصل سالما إلى صفحة الخبيزة أو الرجلة، انعطف بالجماعة إلى معرض الحلوى، فعنده للحلوى معرض لا يتسع لمساحته التصور ولا يرتقي إلى حلاوته الخيال.
ثم يتحول بك إلى قسم الفاكهة، وهنا يتجلى تواضعه فلا يعرض عليك إلا عشرة ألوان أو اثني عشر لونا مما صف على مائدته في غدائه، ولقد تسأل عن هذا الزهد والإقلال، فيكون الجواب الحاضر: «بقي كلام في سرك! أخوك مالوش تقل على الفاكهة!» •••
ولقد يعد لك خمسين أو ستين صحفة من صحاف اللحم والطير، والسمك والخصر، والحلوى، وهي جملة ما تغدى به في يومه، ومع هذا لا يفوته أن يقف على رأس كل صحفة، فيصف لك كيف طبخت وكيف طهيت، وكيف قليت وكيف شويت، وبماذا تبلت وبماذا حشيت، وماذا عولجت به من فنون الصنع، حتى تم لها كل هذا البدع! - هذا أيها الإخوان، هو السر في إيثاري «الكازوزة»، ألست معذورا؟