وصدق من قال: «أصحاب العقول في راحة!»
| بطولة! ...1 (1)
وإنها عندي، لبطولة حق لا تقل قدرا ولا خطرا عن أية بطولة في أي سبيل آخر، وإن صاحبها «البطل» لحقيق من نفسه بالزهو والتتايه، وإنه لحقيق من الناس بأجل الإعظام وأبعد الإعجاب!
قلت لك إنها بطولة «عندي» لأنها كذلك في الواقع، ولك أنت أن تخرجها عن دائرة البطولة، ولك أن تضعها من الخلال حيث شئت، ولك أن تجري عليها ما تشاء من الأحكام، ولكن الذي ليس لك، والذي لا آذن لك به أن تدخل بيني وبين رأيي ومعتقدي، فتضيف إلي ما تشاء، وتنفي عني ما تشاء، وأظن أن هذا أقسى ما عرفت طبائع الاستبداد من العصف بحرية الآراء!
لك أن تقول إن مذهبي في هذا فاسد، وإن رأيي قبيح، وإن سوء التفكير أزلقني في الأمر إلى الضلالة، أما أن تزعم أن ذلك ليس من رأيي، وأنني أسر الخلاف له في أطواء نفسي، فذلك ما لا أحسبه مما كان في الزمان، ولا أحسبه مما يكون، فليس يعلم ما تسر القلوب إلا علام الغيوب!
وهؤلاء «الأبطال» أحبهم وأجلهم، وتكاد تتعلق نفسي من شدة الإعجاب بهم كلما رأيتهم، وسمح لي الزمان بالجلوس إليهم، وإن الزمان بمثل هؤلاء لجد بخيل!
هؤلاء هم أبطال «الحديث»، وللحديث - لو عرفت - أبطال كما للحروب أبطال، وللسياسة أبطال، وللآراء في العلم والأدب والاجتماع أبطال.
على أن هؤلاء «الأبطال» وإن اشتعبوا مذاهب البطولة، وتفرقت عبقرياتهم في مناحيها، فإنه تجمعهم طائفة من الخلال الكريمة، ما تكاد ترى لأحد منهم فضلا فيها على أحد، ومن هذه الخلال فرط الأدب، وشدة التواضع، ولين الجانب ومنها حسن التوافي للناس، والإقبال على مجالسهم حيث كانوا ومؤانستهم، والتسلية بفاخر الحديث عنهم، ولو لم تجر الصداقة بينهم وبينهم على أي عرق، فبحسبهم من كل هذا الكرم «المعرفة» المجردة والسلام!
ومن هذه الخلال الظرف، فإن أعوز ففي التظرف المتسع، ولقد يكون من هذا التظرف لفت الغافل عن «الحديث»، وتنبيه المشغول عنه بشأن آخر، ولقد يكون هذا اللفت والتنبيه بالكلام اللين من نحو: «واخد بالك يا سيدي» و«خليك معنا من فضلك!»، ولقد يكون باللكزة الرفيقة في الخاصرة أو في ثنايا الضلوع ! وكثيرا ما يمتد هذا الكرم إلى جهد النفس في إنشاط المتثاقل، وإضحاك العابس، وإدخال العجب على المتغافل!
وإن مدينة في مصر، وإن حاضرة من حواضرها، بل إن قرية من صميم ريفها، لا تخلو من بطل من هؤلاء أو من أبطال، وأنت خبير بأن البطولة من المقولات بالتشكيك، على تعبير أصحاب المنطق، فهي على ذلك مما يتفاوت في الناس كثرة وقلة، وقوة وضعفا، فلو قدرت النهاية العظمى بمائة درجة مثلا، فإنك واجد من غير شك من قد أحرزها وأصابها، كما تجد من تقاصر حظه إلى الثمانين، ومن تدلى إلى الستين، ومن استرخى وهو دون العشرين، على أنك لا تستطيع بأي حال، إلا أن تسلكه في جماعة الأبطال!
ومهما يكن من شيء، فإنك تستطيع أن تقسم على العموم هؤلاء «الأبطال» إلى قسمين: إخصائيين ومطلقين، أما الإخصائيون فقد توافر كل منهم على فن هذه البطولة، وترى من بين هؤلاء الإخصائيين من برعوا في بطولة الفروسة وقراع الأهوال، في البحار والجبال والأدغال، وصراع كل صائل من السباع والجوارح والأغوال!
ومنهم الإخصائي في فن الغرام، واصطياد كل شاردة من الآرام، وما يمنعه؟ وله من جفنيه أشراك، هيهات ما لآبدة منها فكاك، وإن له من لحظه لما يستنزل إليه الأراوي العصم، من صياصي الجبال الشم، فإذا جاءك أن غادة في الأرض قد تعذرت عليه في خدر، أو اعتصمت دونه وراء ستر، فإنك عنده حقيق بالرحمة والرثاء، لما تجهل من حقائق أحوال النساء.
وما له يجهد في طلبهن ويسعى، وما له يكد في استدراجهن ويشقى، وها هن أولياء يعترضنه كل يوم مواكب، ويتهاوين بين يديه كواكب؟ ولو كتب لك يوما أن تشهد مورد بريده في الصباح وفي المساء، لتعاظمك ما ترى من أحمال ثقال، وقد اجتمعت من الكتب الخفاف، وكلها موشى الحوافي منمنم الأطراف، وإن منها إلا ما يضوع شذاه، حتى ليكاد يسكر بطيب رياه: هذه تخطب وده، وهذه تشكو قلاه وصده، وتلك تحكي ما صنع الهوى، وأخرى تصف ما برحت بها برح الجوى، وخامسة لها عند الغرام مظلمة، فهي لا تسأل إلا العدل والمرحمة، وسادسة قد عز عليها الوصال، وشفها طول التجني والدلال، فأضحت لا تطمع في أكثر من نظرة إلى ذلك الجمال!