ولقد جزت يوما بشارع خيرت في طريقي إلى الدار، وكان ذلك بعد انتصاف الليل، فإذا صاحبنا مستو على منضدة في دكان الحاج عبد الرحمن (الحاتي)، وبين يديه صحفة تحمل ستة أرطال أو خمسة على الأقل من اللحم السمين، وهو يفترسها افتراسا، والدمع منهل على خديه، فأدركت لساعتي أن قد تمت القطيعة ولم يبق إلى اللقاء سبيل! فأقبلت عليه أعزيه وأصبره، وهو ينزف من الدمع من عينه، بقدر ما ينزف من اللحم في شدقه، فعذرت الرجل وانصرفت عنه وأنا أدعو الله تعالى أن يرأف بحاله، ويلقيه حسن العزاء!
ويسرف المسكين على نفسه في هذا حتى كاد يكسر عيشه على القضم والخضم، إلى أن بدن واسترخت كرشه، ودعا بالطبيب وأظهره على داخل شأنه، ولما استصعب عليه علاجه، سأل أهله أن ينأوا به عن القاهرة (مثوى الحبيبة) ويعزوه، ويختلفوا عليه بألوان السلوى، لعله ينسى فتصلح حاله، وتعود إليه نحافته وهزاله!
| من خلق الله! ...
يظهر أن عند بعض الناس كثيرا أو قليلا من الشك في أنهم موجودون، أو على الأقل إنهم يشكون في أنهم من ضمن الناس، فهم دائبون جاهدون كل يوم، بل كل ساعة، في جمع الأدلة على إثبات وجودهم، أو على إثبات أنهم ناس من الناس، ومن هؤلاء المساكين شاب حدرت له الظروف مالا جليلا يهيئ له العيش في أخفض العيش، والتقلب فيما شاء من النعم، إذ كان الإنسان إنما يطلب إكرام نفسه وتنعيمها لإيتاء لذائذها، لا ليثبت بمظاهر الترف وجوده، أو إنسانيته عند الناس!
هذا شاب غير بائن الطول، ولا مفرط لا البدانة، وإن كان مكتنز اللحم متوافر الشحم، ركب على جسده وجه شاحب غليظ، لا ترى فيه ضاحية يستريح فيها النظر، وقد ميزته الطبيعة بعينين حادتين واسعتين تملؤهما أحداقهما، على أنك تراهما ثابتتين في محاجرهما، لا تنحرفان إلى اليمين، ولا تعدلان إلى الشمال، حتى لكأنهما في صورة منقوشة لا في وجه إنسان، وإلى هنا لا أجد على الرجل بأسا، فإنه وإنني وإن صديقي الأستاذ توفيق فرغلي، ومحمد بك رشدي غير مسئولين عن أننا خرجنا كذلك للحياة! أما الباقي فصاحبنا عنه جد مسئول.
لقد أرسل سالفيه حتى حاذتا سفلى شفتيه، ورفع طرفي شاربيه حتى شارفا أعلى وجنتيه، وبالغ في تزيين هذا الشارب وتنسيقه، حتى ما ترى فيه شعرة تميل عن صفها، أو تنحرف عن موقفها، كأنما هو «قره قول شرف» يفتشه قائد عظيم! وقد نصب على رأسه «طربوشا» طويلا استهلك أصله جبينه الدقيق، أما «زره» فقد تأنق في ترجيله وإرسال خيوطه بنسب معينة تزداد كلما تدلت انفراجا، وقد ركب على عينه اليسرى «مونوكل» مؤطرا بالذهب، ودس في فمه «سيجارا» طويلا غليظا، ولست تراه إلا ثانيا معطفه على ذراعه اليسرى ولو نزلت درجة الحرارة عن 5 تحت الصفر، وإن مما يطير نومي أحيانا أنني لم أهتد بعد إلى الوقت الذي يتخذ فيه هذا المعطف كما يتخذه سائر الناس! فإذا التفت رأيته يلتفت جميعا، كأن ما بين رأسه وكتفيه كتلة من الخشب لا تلين ولا تنثني، وذلك كله خيفة اختلال «القيافة» باختلال شعر الشارب؛ أو اضطراب خيوط «الزر»!
وإني أؤكد لك أنني حين رأيته لأول مرة حسبته فارا من لوح «سينما»!
وقد جمعني وإياه يوما شيطان من شياطين الإنس، وما انتظمنا المجلس حتى قال لي: «أقدم لك صديقي الفيلسوف الكبير فلان بك، أفلا تعرفه أو لم تسمع عنه؟ فقلت تشرفنا، فقال: حسبه فخرا أنه صاحب نظرية «الانعكاسات اللافطرية» فأدركت أن الخبيث يريد أن يعبث! فقلت: وهل يجرؤ أحد على أن يقول في هذا بعد الذي قال أوجست كنت؟ على أنه لم يخرج له من هذه القضية كثير ولا قليل، فقال صاحبي: بل اهتدى إلى ما لم يهتد إليه أوجست كنت؛ بل لقد وفق بين رأي القائلين «بالإبداع التناسبي»، وبين رأي الذاهبين إلى حماية التجارة، فقلت له: إذن لقد خالف رأي لامارتين، فأجاب بل لقد كسره تكسيرا، وأفضنا في هذا، وجلنا في الفلسفة والعلم والآداب استظهارا لتلك النظرية، وهو يوافقنا بالإيماء، ويسرد معنا أسماء لا أدري من أين حفظها، ثم جعل يتقبل منا الإعجاب بتلك العبقرية الفخمة.