ثم قام في رفق وانجلى لوجهه ... وقد ذهب عني أن أقول لك إنه طوال المجلس ، لا يستقر دقيقة واحدة حتى يقوم لبعض شأنه ثم يعود مستمهلا، ولقد تفقدته فإذا هو يمضي إلى المرآة لإصلاح ما عسى أن تكون الكلمة قد ثنت من شعر شاربه، وما عسى أن تكون الإيماءة قد خلخلت من رباط رقبته! أو حرفت من «زر» طربوشه!
ولقد عرفته بعد ذلك واستقصيت أخباره، وتقريت آثاره، فاجتمع لي منها أنه رجل شغف بأن يكون في أولاد «الذوات» فهو يأخذ إخذهم، ويتشبه بهم في شكلهم ودلهم، وفي مشيتهم، وطعامهم، وشرابهم، ولهوهم، وعبثهم، وسائر أطوارهم، فهو يسمع أن ابن فلان باشا «يفصل» الثياب عند ديليا، فيطلب ديليا ويسأله أن «يفصل» له «بدلة» كالتي فصلها أخيرا لفلان، ثم يسمع أن الأمير فلانا «يفصل» عند سيفاد، فيمضي من فوره إلى سيفاد، ويسأله ما سأل ديليا أمس، ثم يرى في إصبع فلان بك خاتما من الزمرد، فلا يزال يتحرى ويستخبر حتى يهتدي إلى الجوهري الذي باعه فيشتري مثله، ويرى فلانا بك يدخن السيجار، فيدور يبحث ويستقصي حتى يهتدي إلى أغلى السيجار، فلا يفارق بعدها فمه أبدا، وما هو «بخرمان»، ولا هو ممن يتذوقون الدخان! •••
ثم هو رجل «شيك» فتراه يطلب جروبي القديم الساعة 10 من صباح كل يوم، فلا يزال هناك حتى الساعة الواحدة، ثم يركب سيارته إلى «سان جمس» فيتغدى، ولكن ماذا يتغدى؟ ما دلته تحرياته على أن فلانا طلبه أمس، ثم في تمام الساعة الخامسة يكون في جروبي الجديد، وهناك شباب من أبناء «الذوات» متعلمون يخوضون أحيانا في العلم والأدب والفلسفة، فهو يأخذ معهم فيأخذون معه أيضا على النحو الذي رأيت، فإذا كانت الساعة الحادية عشرة، استوى في «الكازينو ديباري»، فدار يبحث عن أي الغانيات راقت الليلة الماضية فلانا بك، أو التي تحدث عنها فلان بك، فأسرع فدعا بها وطلب لها أغلى الشراب! وقرب إليها أفخر الألطاف.
ومن أظرف ما سمعته في هذا الباب ما حدثني به شاب ممن يغشون هذه الأماكن قال: دخلت المكان الفلاني فرأيت منظرا عجيبا، رأيت أبرع الفتيات هناك جمالا، مستوية على منضدة، وبين يديها أفخر الشراب وأنضر الزهر وأبدع التحف، وفلان (يعني صاحبنا) جالس بجوارها وقد ولاها ظهره، أما وجهه كله فإلى الباب، فوقفت وقفة طويلة لعلي أراه ينثني ناحيتها فلم يفعل، فدرت حتى وقفت بإزائها، وسألتها هامسا بالتليانية عن شأنها مع هذا الرجل، فأجابت ضاحكة ساخرة: إننا على هذه الحال من ساعة ونصف! •••
وبعد ففي الناس كثير إذا لم يبلغوا مبلغ هذا الرجل كله، فهم على كل حال لا يعيشون لأنفسهم ولكنهم يعيشون للناس؛، لأنهم شاكون في وجودهم أو في إنسانيتهم، فهم جاهدون دائما في أن يثبتوا وجودهم أو يثبتوا أنهم من الناس. •••
بعد كتابة هذا الكلام وجمع حروفه (على رأي المقطم الأغر)، انتهى إلي أن الرجل مع الأسف، قد لحقه الفقر، وحلت به الفاقة، وركبته الديون، فباع السيارة وكل ما أحرز من كرائم الجواهر ونفيس الآثار، من صنع «كريجر» في باريس وميل في لندن، وسكن في الخارطة الجديدة بعد الزمالك ولم يحتفظ من آثار «العز» إلا بسيجار واحد «يركبه» في فمه ليخوض به في دير الطين، بعد التخطر في شارع المناخ وشارع عماد الدين!
| ما شاء الله! ...
أرى شابا لا أعرف له عملا إلا الطواف بمتون القهوات، والوقوف على من يعرف من الناس، والتحدث إليهم في الأسباب الدائرة في البلد، فإذا حدث حدث في الهندسة، وكان لإسماعيل سري باشا رأي فيه، وقف بك وطرح عليك الأمر، وكرش وجهه ومط بوزه، وقال في استخفاف واستهزاء: «لم يبق علينا إلا أن يتكلم إسماعيل سري في الهندسة!» فإذا كان الحديث في الطب، وأثر عن علي بك إبراهيم عمل جراحي له خطر، قال لك في تلك الصورة: «لقد هزلت حتى إن علي إبراهيم يتعرض لإجراء عملية جراحية!» فإذا كان الأمر في القانون، وكان لبدوي باشا رأي مأثور قال لك: «ما شاء الله، حتى عبد الحميد بدوي هو الآخر يتكلم في القانون!» وإذا كان الحديث في الأدب وكان للدكتور طه حسين فيه مقال قال لك: «لقد طابت الهجرة من هذا البلد، لم يبق علينا إلا أن طه حسين يتكلم في الأدب؟!» ثم يهز كتفه ويوليك قفاه، ولعله أكرم على الله وعلى الناس من وجهه، وينطلق عنك المسكين وهو يظن أنه قد قضى حق العلم أولا، وحق الوطن ثانيا، وحق التعالي على هؤلاء الذين يسلكهم إجماع الناس في نوابع الدنيا، وتدسى بعد ذلك في فراشه، ولا يكاد يتسع ما بين الأرض والسماء لعبقريته الهائلة!