تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان وقت الجلسة قد أفد، فمضيت أقضي على الطوى بين الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

ثم أقبل علي صاحبي وقال: تعرف يا فلان أنني لست من أهل البطنة، ولا أنا ممن يحتفلون للطعام أو ممن يهمهم التأنق فيه، وتعرف أنني لا أصيب منه إلا بالقدر الذي يمسك النفس ويدفع إلحاح الجوع، وتعرف فوق هذا أنني مضعوف ممعود، أتجنب من الطعام غليظه ما استطعت، ولا أتكثر من الدسم خوف الكظة والبشم، تعرف هذا كله، ومع هذا فإنني أقسم لك أنني ما ذكرت هذه الواقعة إلا ثارت نفسي واضطرمت أعصابي، وعلا الحقد في صدري، حتى لكأن تلك الحادثة وقعت لساعتها، وقد مضى عليها الآن عشر سنين، وإنك لتستطيع أن تصدق قول الشاعر: «لا بد للمحزون أن يسلى»، وأن تصدق قول كثير:

فقلت لها يا عز كل مصيبة

إذا وطنت يوما لها النفس ذلت

تستطيع أن تصدقهما في دعوى التسلي بالزمان عن كل بلية، والعزاء بكر السنين عن كل رزية، إلا عن مثل هذه الفعلة، فهي أعصى على الزمان، وأصلب من أن يبليها الجديدان! •••

فاللهم يا من وصل شهوة الطعام ببعض الناس هذا الوصل، وأكدها هذا التأكيد، ارحم كل شهوان بطين، من ضيافة مثل هذا الحبر السمين!

| تنمر ...؟

لاحظت ظاهرة غريبة، لا أدري إذا كان الأطباء والباحثون في أحوال النفس قد فطنوا لها أو لم يفطنوا، ولا أدري إذا كان قد تقصاها منهم أحد، وترسم عللها وأسبابها، وكيف تؤثر تلك الأسباب في خلق بعض الناس هذا التأثير وتصوره هذا التصوير وتنكره هذا التنكير، ثم إنني لا أدري إذا كان أحد هؤلاء الباحثين المتقصين قد نشر في هذا بحثا في العربية أو في أية لغة من لغات العالم؟ ... اللهم إنني لا أدري شيئا من هذا ألبتة، على أنني أنتظر من أصحاب المعرفة رأيا أتهدى به إلى الصواب:

شهدت في طول حياتي ثلاثة من الناس لم أشهد غيرهم على الحال التي سأذكرها لك، والعجب أن ثلاثتهم يشتركون في دعة النفس، وطيبة القلب، وارتياح الأعصاب، ما يزال هذا شأن كل منهم وطبعه وجبلته حتى يستوي للطعام، وما إن يأخذ فيه حتى تراه وقد تبدل خلقا غير خلقه، واتخذ صورة غير صورته، فإذا وجهه قد احتقن احتقانا شديدا، وإذا أوداجه قد انتفخت انتفاخا عظيما، وإذا أجفانه قد انفرجت إلى حد التقلص، وإذا حدقتاه قد اتسعتا في محجريهما حتى كادتا تستهلكان بياض العينين جميعا، وقد لمعت عيناه لمعانا يخيف ويروع، ودلت ملامحه على أقسى ضروب الشراسة ومحاولة الفتك والافتراس، وجعل يزحر زحيرا عاليا أشبه بهمهمة الفهود، وبزئير الأسود، حتى ما تشك في أنك إنما تؤاكل نمرا لا إنسانا، بل لقد يوسوس لك هذا المنظر المرعب بأنك في النهاية مأكول لا آكل!

وقد توفي واحد من هؤلاء الثلاثة، وبقي اثنان، بسط الله لهما في صدور الأعوام، ولقاهما أجزل الطعام، بما يواتي غريزة الافتراس والالتهام، وكتب لمؤاكليهما الأمن والسلام، آمين!

| غرام ...!

صديقي «فلان» تعشق في شباب سنه إحدى بنات جيرانه، وقد غلبت عليه وذهبت بقلبه كل مذهب، ولما برحت به آلامه، وفضحته في الهوى أسقامه، أدركتها رقة له ورحمة به استحالتا من بعد حبا، وهو رجل يتذوق الأدب، ويحفظ من مصطفى الشعر صدرا، فكان إذا ذكرها وهو فينا أقبل يروي لنا أحسن ما قال قيس المجنون في ليلى، وأرق ما أرسل قيس بن ذريح من الغزل في لبنى، وأحلى ما قال جميل في بثينة، وأبدع ما شبب كثير في عزة، وكلما لحقه الوله عليها بكى واشتد نشيجه، فيواسيه صدقانه من جميل القول بما يطامن لوعته، ويكفكف دمعته.

وقد بانت لهذا العاشق الولهان خصوصية عجيبة جدا: ذلك أنه لوحظ عليه أنه كلما حدث تهاجر بينه وبين «معشوقته»، راح يلتمس السلو كله في الطعام، فيلحق الأكلة بالأكلة، ويتبع الوجبة الوجبة، إلى أن تعود إلى صلته فيعود إلى الإقلال والتخفيف! وعلى قدر شدة الصرم والإلحاح في الهجر يكون الدسم، وعلى قدر فتوره وضعفه يكون اختيار الأرفق من الألوان!

المختار · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٧٧