تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا يشجر الخلاف بين «الطباب» وبين صاحب الصنيع، فهذا «الطباب» لا ينحدر طرفه ولا يتقاصر هم بطنه عن أفخر الطعام وأدسمه وأجزله ما عرف موضعه، ودنا محله، وعليه يسيل لعابه، وله تتفتح لهوته، وإليه تهيج شهوة بطنه، فكيف الصبر عنه، وكيف الرضا بما دونه؟

أما صاحب الصنيع، فإنما احتفل للمائدة ما احتفل، وبذل في التأنق في الطعام ما بذل، إيثارا لمن «شرفوه» من أصحاب الوجاهة والمنزلة في الناس بالجاه والمنصب، ومبالغة في إكرامهم، واستخراج الإعجاب والثناء منهم، فهو بالضرورة يكره أن يدس بينهم من لا يشاكل أقدارهم، ولا يطاول أخطارهم، فكيف بمن خلق ثوبه، وشاه سمته، وهان موضعه، وكيف به فوق هذا، إذا ملكه النهم، وغلب عليه القرم،

4

فاطرح التحشم، وجعل يقبح في أكله، ويعطو بكلتا راحتيه، ويصول في باطن الصفحة بجميع يده، ويزدرد الطعام ازدرادا، ويلتقمه التقاما، حتى لا يكاد يمس فكه، أو يصافح ضرسه، بل إنه ليمر مر البرق على شدقه، في مهواه إلى حلقه!

ويثور ثائر رب الدار إذا رأى «الطباب» دسيسا على خاصة المدعوين، سواء أمعنوا في الطعام، أم كانوا في انتظار الطعام، فسرعان ما ينصب عليه، ويجذبه بضبعيه، وربما زم عنقه بكلتا يديه، ثم جعل يجره جرا، إذا الرجل قد أرسخ رجله على الأرض، أو لف ساقه على رجل دكة أو نضد،

5

وتشبثت يداه بكرسي ثقيل أو بعضادة باب، وبطنه أثناء ذلك يرتفع مع أيدي الآكلين ويهبط، وينقبض مع راحهم وينبسط، حتى إذا جهد برب الدار استنفر لزحزحته الأهل والخدم والفراشين، فلا يزالون به دفعا ولكزا بالأيدي، وركلا بالأرجل، وهو يقاوم ويجاهد، حتى إذا خارت قوته، وانخذل متنه، ونفد جهده، حملوه فألقوه في ظاهر الباب، أو نفضوه عن ساحة العرس نفض التراب. فلا يلبث أن يجمع شمله، ويتسلل في لباقة وخفة، ويرتصد للمائدة نفسها، فإذا أصاب غرة من أهل الدار، عاد فانصب عليها، وإلا عدل إلى مائدة أخرى تكافئها أو تقل يسيرا عنها، وربما عاوده أولياء العرس بالطرد والضرب فلا يثنيه ذلك عن المعاودة وهكذا، وكأنه في شأنه هذا يتمثل بقول الشاعر بعد أن وجه الكلام فيه على البطن بدل النفس:

لأبلغ عذرا أو أصيب غنيمة

ومبلغ «بطن» عذره منك منجح!

و«الطباب» - وقاك الله شر البطنة - لا يقنع بالوجبة على المائدة، بل إنه ما يكاد يرفع يده عن غاية الطعام، حتى يهرول في التماس مائدة أخرى في العرس نفسه، أو في عرس غيره، من حيث قدر المدخل، وغفلة الأعين وجودة الطعام، حتى لقد يوالي بين ست وجبات أو سبع في ليلة واحدة، ما يثقله بشم،

6

ولا ترهقه كظة ولا يضيق له كظم،

7

كأن معدته نحتت من حجر أو قدت من حديد، وحق فيها: «يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد»؟! ...

ثم إنه لا يكتفي بكل ما يدس في جوفه، ويقذف في بطنه، بل إنه لدائب جاهد، ما أصاب الغرة وأمن الرقبة، في أن يدس في جيبه كل ما تيسر له من اللحمان والمحاشي والحلوى والفاكهة، وقد يراه على هذا بعض مؤاكليه فلا يتعرضون له من رحمة أو من حياء! •••

وبعد، فهذا كان شأن عامة الطفيليين أو (الطبابين) في الجيل الماضي، على أنه كان لخاصتهم شأن لعله أكرم من هذا الشأن، فإذا تحريت الدقة في التعبير قلت لعله أقل هوانا، وأضعف امتهانا.

وفي «الطبابين» أيضا خاصة، كما في سائر طبقات الناس خاصة، وخاصة «الطبابين» هم جباههم وعرفاؤهم وسراتهم، وناهيك بالنديم، الظريف، المحاضر السري، الوجيه، الجميل السمت والفاخر البزة، المرحوم الشيخ حسن غندر، والشيخ حسن غندر حقيق بأن يؤثر وحده بمقال طويل، فللرجل في مفاخر التطفيل تاريخ حفيل.

| الشيخ حسن غندر

وما أدراك ما الشيخ حسن غندر؟ لقد كان الشيخ غندر من مباهج مصر، وآية يتيه بها ذلك العصر على كل عصر، نعم لقد كان المفرد العلم في «فن» التطفيل، وهيهات يجود الزمان بمثله «فإن الزمان بمثله لبخيل»!

المختار · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٦٥