وكانوا يدعون بالمغنين ومشهوري قراء القرآن العظيم، ومرتلي مولد النبي الأكرم
صلى الله عليه وسلم ، كل على قدر حاله وجهد ثروته، فمنهم من يدعون بالمرحوم عبده أفندي الحامولي، أو المرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي، أو يدعونهما معا، وهؤلاء خاصة الخاصة من طبقة «الذوات»، أما المرحوم محمد أفندي عثمان فكان من قسم أوساط الناس، حيث لا يقام على سرادقاتهم حرس ولا حجاب، ولا شرط يدفعون الناس عن الأبواب، وبهذا كان عثمان مغني الشعب حقا، وما تقول فيه تجريه على المرحومين: محمد أفندي سالم، والشيخ محمد الشنتوري، وإبراهيم أفندي القباني، وأحمد أفندي فريد، والسيد أحمد صابر، كانت طبقة «أولاد البلد» القح، وأعني بهم طائفة المقدمين، ورؤساء الصناع (المعلمين)، ومهرتهم لا يعدلون بالسيد أحمد صابر مغنيا آخر.
ولقد كان لهذا الرجل في غنائه أسلوب خاص به، لا يذهب به مذهب عبده ولا عثمان، ولا من يقلدون هذا، ولا من يشتعبون طريق ذاك، هو أسلوب بلدي بحت، يتفخم فيه اللفظ، حتى تشتبه تاؤه بطائه، وتختلط سينه بصاده، ويمتد فيه النفس ويطول الصوت، وهو في طريقه ما يزال يرق في زجله وترجيعه، ويلين في ترديده وتسجيعه، ويتخافت حتى تحسبه هتاف الهاتف يهمس به جانب الوادي البعيد في الليل البهيم، ثم يجلجل ويقصف كأنه النفير أقبل يوقظ النيام، وينذرهم الحادث الجسام!
وكيفما كان الأمر، فإن صابرا كان أقدر المغنين على مشايعة أحاسيس هؤلاء (أولاد البلد)، وتحريك الوادع المستلقي من عواطفهم، وكثرتهم - كما تعلم أو لا تعلم - كانت من أرباب «الكيوف»!
وكانت الصحف السائرة في البلد قليلا، ومطالعتها تكاد تكون حبسا على الخاصة، وفوق هذا فليس الناس كلهم يعلنون في الصحف عن أعراسهم ولا عمن يغني مدعويهم، فكان يقوم بمهمة النشر هذه «باعة اللب»، ينتشرون من مطلع النهار في أحياء القاهرة، فيؤذنون فيمن يعرفونهم من هواة الغناء والتطريب، أن الشيخ يوسف الليلة في دار فلان بحي كذا، ومحمد عثمان في دار فلان بحي كذا إلخ، وسرعان ما تذيع هذه الأخبار فلا يدخل الأصيل إلا وقد ملأت جميع الأسماع.
وكان الهواة إنما يطلبون هذه «الأفراح»، كل على حسب هواه وصغوه، بعد العشاء الآخرة، أي بعد أن ترفع موائد الطعام وينتظم مجلس الغناء، أما قبل ذلك فلا يغشى موضع الصنيع إلا المدعوون وإلا الطفيليون.
وهؤلاء الطفيليون كانوا معروفين للنقدة سواء من أصحاب الصنع
2
أو من المدعوين، من لم يعرف منهم بحيلته ونسبه عرف بسيماه ودله: أما جماعات الفراشين، فكانوا يعرفونهم جميعا، لكثرة اختلافهم إلى الموائد، وترددهم على الطعام في الأعراس والمواسم، وكثيرا ما يدلون أصحاب الصنيع عليهم، ويلفتونهم إلى مواضعهم.
وهنا ينبغي أن أقول لك: إن «أولاد البلد» تشيع فيهم خلة الجود بالطعام، فتراهم حيثما كانوا يدعون إليه، ويتبسطون عليه، يدعون إليه (ولو تجملا) ساقط الآفاق، واللائح في عرض الطريق، وقد يلحون في الدعوة وقد يعزمون.
3
إذا عرفت هذا، وقرنت إليه تلك الخلة التي هي مزج من الخجل والضعف، أدركت أن هؤلاء الطفيليين، أو (الطبابين)، على اصطلاح «أولاد البلد» أنفسهم، لم يكونوا يجدون مشقة في غشيان صنعهم، والاقتحام على موائدهم على وجه عام، ولكن المشقة كلها عليهم، والحرج أجمعه على أصحاب العرس، هو في أن يتسلل هؤلاء «الطبابون» إلى الموائد الخاصة التي أعدت لجباه القوم وأعيانهم.
وفاتني أن أذكر لك أن الطعام كان يقرب على أخونة (صواني) متعددة، يرص حول كل واحد منها من ثمانية نفر إلى اثني عشر، وتختلف ألوانها باختلاف درجات المدعوين، وأفخرها ما يصدر بالحمل (القوزي)، أو «الديك الرومي»، ويسلك فيه الحمام والفراريج وأطايب اللحم تطهى على أشكال، وتقرب «المسبكات» من ألوان الخضر، ويستكثر فيه من صنوف الحلوى، ويخص أخيرا بالفاكهة، ودون هذا يصدر بالضلع، وهكذا إلى أن تقتصر مطالع الموائد على المزعة من اللحم، لا يملؤ نصيب الآكل منها الكف ولا ينتفخ به الشدق، وهذه الموائد المعدودة لعامة الناس.