كان رحمه الله، طويل القامة، ليس بالبدين ولا بالهزيل، مستطيل الوجه، شديد حمرته، لو نضا عنه عمامته لخلته من أبناء التاميز، تدور حوله لحية دقيقة بيضاء، لا أثر في شعراتها لسواد، أزرق العينين، رقيق الحاجبين، مقوس الأنف، ولعلك في غير حاجة إلى من يزعم لك أنه لم يكن دقيق الفم، وكيف يتصور له هذا، وفمه هو سبيله إلى ذهاب صيته، وشيوع ذكره، وخلود اسمه؟!
وكان ضخم الصوت، إذا تحدث أحسست أن صوته إنما يجيء من أقصى حلقه!
ثم لقد كان حسن السمت، نظيف الثوب، فاخر البزة، لا يلبس القباء إلا من صنع الحمصاني، ولا يفصل الثياب إلا عند أشهر الخياطين، فإذا كان الصيف وضع عليه الجبة من الحرير المتموج (موريه) المعروف عند أولاد البلد «بالألاج».
وترى في إصبعه خاتما كبيرا من الماس النقي، فإذا اقتحم به مهرجان العرس وتساقطت عليه أضواء الثريات، تموجت من حوله ألوان الطيف، وبرقت من أقطاره أشعة تكاد تخطف الأبصار!
وبعد، فلقد كان إلى هذا التأنق والتجمل، عذب الروح، فكه الحديث حسن المحاضرة، حلو المنادمة، حاضر النكتة، عالما بأخبار الناس، محيطا بصفاتهم وأسبابهم وشمائلهم، يحدثك عن أجوادهم وبخلائهم، ومن يهش للأضياف منهم، ويتبسط على طعامه معهم، ومن يغلق دون الضيف بابه، ويقيم عليه إذا حضر الغداء أحراسه وحجابه، ومن يخفت نشيش
1
اللحم حتى لا يسمعه الجار، ويكتم ريح القتار
2
فلا تشمه القطة، ويضل بلطف حيلته النمل عن موضع السكر في البيت.
وإنه ليحدث عن عادة كل عين من أعيان البلد في طعامه وشرابه، ويعرف ما يؤثر من ألوان الطعام وما يكره، وكم يقرب إليه من الصحاف في غدائه وفي عشائه، ووظيفة مطبخه من اللحم والطير في كل يوم، وكيف يطهي له طاهيه، وأي الألوان يحذقه ويجود فيه، وما الذي يعالجه بالسمن، والذي يعالجه بالزيت أو الخل، وماذا يشوى منه وما يقلى، وما تذكى له النار وما تخبى، وما يكمخ منه ويتبل،
3
وما يعجل بالطهي وما ينظر حتى يذبل إلخ، حتى ليخيل إليك أن بصيرة هذا الرجل تقتحم كل بيت، وتنفذ إلى كل مطبخ، وأن عينه تسلك كل قدر، وأنفه يجول في كل برمة!
وهو إذ يحدثك في هذا ترى شدقه دائم الاختلاج، وشفتيه لا تفتران عن التحلب، شأن من ألح عليه الجوع، وهو يرى أشهى الطعام بين يديه، ولكن لا سبيل له ألبتة إليه!
ولقد يجول الشيخ غندر في غير حديث الطعام، فيبدع في حديثه، ويلون في سمره، ويفتن في إيراد النكتة كلما دعت مناسبات الكلام، وبهذه الخلال فيه كان أثيرا عند كثرة الخاصة، محببا إلى نفوسهم، يشتهون مجالسته بقدر ما يشتهي هو مؤاكلتهم والاستواء إلى موائدهم، حتى إذا انتظمهم الخوان في عرس أو نحوه، لم يتبرموا بتدسسه - في سر من رب الدار - بينهم، بل ربما فسحوا له وكفوا سطوة رب الدار عنه، وأنت خبير بأن هؤلاء في العادة، إنما يجيبون دعوة الداعي لإرضائه، وإظهار الاحتفال لشأنه، لا ليصيبوا عنده دسما، ولا ليشبعوا من طعامه نهما، فلا بأس عليهم بأن يختار هذا الطفيلي الظريف الطعام دونهم، ويملكه كله عنهم، بل إن تقبيحه في طعامه، وشهودهم لافتراسه والتقامه، لمما يعجبهم ويدخل السرور عليهم!
وكيفما كان الأمر، فإن هذا الرجل ما يزال إنسانا وديعا أنيس المحضر، ظريف المجلس، حتى يحضر الطعام، فإذا حضر جن جنونه، وثار ثائره، وخيف بوادره، وتغير خلقه، وتنكرت صورته، وأمسى منظره مفزعا مرعبا، ولو قد رأيته وهو يفري الفري، ويلتهم اليابس والطري، لخلت أن كل شيء فيه قد استحال فما: فهو يأكل بفمه، ويأكل بعينه، ويأكل بأنفه، لا تراه يلوك لقمة أو يحرك للمضغ ضرسا، بل إنه ليكورها ثم يقذف بها في حلقه، فتكاد تسمع رنينها في قرارة بطنه، فإذا فرغ من شأنه - وما بيده أن يفرغ - لبث يتلمظ ساعة، ثم ارتد إنسانا وادعا ظريفا يلون السمر، ويفنن الحديث تفنينا. •••