ولما نزلت الشمس للمغيب، أفرغوا على كل منا طيلسانا وعمموه عمامة كبيرة، وزودوه بما أمسى له به هيأة وسمت، ثم جعل الشيخ يفرقنا في ولائم الليلة، وألزمني رجلا من الجماعة ليعرفني الطريق، ويفرخ عني ما عسى أن أجد أول الأمر من الهيبة والتحشم، وليريني كيف يكون التجمل لهذا الأمر والتلطف فيه.
ومضينا لوجهنا فأصبنا من فاخر الطعام ما شاء التطفيل أن نصيب، ثم عدنا بما دسسنا من الطعام وما أفدنا من الدراهم إلى الجماعة، حتى إذا عاد سائرهم ونفضوا ما حملوا تقسموه، وأخذت قسمي، وادخرت فضل الطعام لغدي.
وما زلت على هذه الحال حتى عرفت خطط بغداد ودروبها، والمتبسطين على الطعام من أجوادها، وتمت لي البراعة في هذا الأمر، وأصبحت لا أحتاج فيه إلى رديف، فحسنت حالي، وكثر المال في يدي، فاكتريت دارا لي أنام فيها، وفيها أقضي وقت فراغي.
ثم بدا لي أن أبعث في طلب أهلي وعيالي، فما مثل هذا العيش عيش، ولا وراء ما أنا فيه من النعمة نعمة!
وذات عشية أذن الشيخ في القوم بأن لا ولائم الليلة في المدينة، فمن شاء قام إلى بيته، فبدا لي أن أتفرج صدرا من ليلي في أرجاء بغداد، وما برحت سائرا يزلقني طريق إلى طريق، ويستدرجني درب إلى درب، حتى رأيتني في ظاهر البلد، وإذا عرس يرد عليه الناس زرافات وشتى، فاختلطت بهم ودخلت الدار معهم، وآكلتهم وشاربتهم، ونفحني رب الصنيع بدينار، فوسوس لي الشيطان أن أستأثر به وأكتم صحبي أمر هذه الوليمة، فما جاءتهم عيونهم عنها بخير.
ومضيت إلى الجماعة من غدي، فما رأوني حتى وقفوا صفا، وقد احمرت أحداقهم ، ورجفت شفاههم، وقال قائل منهم: أين كنت ليلة أمس؟ قلت: طلبت داري من ساعة فارقتكم ولازمتها حتى الساعة، فجذبني أولهم إليه وشم راحتي، وقال بل كنت في وليمة وأكلت «ديكا روميا»، وصفعني صفعة شديدة ودفعني إلى الذي يليه، فشم راحتي وقال: وأكلت بعده «بامياء مرصوصة»، وصفعني صفعة أطارت صوابي، ودفعني إلى الذي يليه، فصنع صنعه، وقال: وأكلت «كستليته» مشوية، وصفعني صفعة كادت والله تسل خيط نخاعي، وقال الرابع: وأكلت كيت، وهكذا ما أخطأ - والذي نفسي بيده - واحد منهم قط فيما تشمم وحزر، ثم انتهيت إلى الشيخ المكفوف، فشم باطن يدي وقال: وأخذت دينارا؛ وصفعني صفعة لو وزن بها كل ما نالني في ليلتي لرجحت به، وما زالوا بي صفعا بالأكف، وركلا بالأرجل حتى ألقوا بي في ظاهر الدار لا أعي شيئا!
سيداتي، سادتي
هذه نادرة من نوادر الطفيليين، إذا لم تكن وقعت كما رويت، وكانت من تلفيق الخيال، فهي ولا شك تعطينا فكرة ولو تقريبية، عن احتراف مهنة التطفيل ذلك العصر في بغداد، ومهارة أصحابه فيه.
ولولا انقضاء الوقت المقسوم لي لحدثتكم عن بعض من شهدنا من الطفيليين في العصر الحديث، وأعني أولئك الذين انقرضوا بانقراض ما يدعوه المصريون «بالأفراح»، ثم أخذنا بالحديث عن المتطفلين في الوقت الحاضر، أعني الطفيليين «المودرن».
ولعل لنا إلى هؤلاء وهؤلاء كرة إن شاء الله.
| التطفيل والطفيليون1 في الجيل الماضي
كنت قد أذعت من محطة الراديو في شهر أغسطس من سنة 1934 حديثا عن التطفيل وقدامى الطفيليين، وأوردت فيه طائفة من ملحهم ونوادرهم، وما قيل فيهم، وما قالوا هم في أنفسهم، ومواتاة بدائههم في لطف احتجاجهم لاقتحامهم على الناس موائدهم، وتهافتهم على طعامهم من غير دعوة إليه، وتعرضهم في هذا لألوان المكروه من الشتم والسب، والطرد والضرب إلخ.
ووعدت في غاية الحديث أن أجرد «محاضرة» للطفيليين في الجيل الماضي، وقد عنيت الطفيليين المحترفين، وهؤلاء قد انقرضوا وخلا وجه مصر منهم، بذهاب العادة التي كانت شائعة في هذه البلاد إلى زمن قريب، وهي إقامة الأعراس (الأفراح) وما إليها مما كان المصريون يتنافسون فيه، ويتكاثرون به في المناسبات المختلفة من نحو العودة من الحج، وختان الولد، وولادة البكر من البنين وغير ذلك.