تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن قوم إذا دعينا أجبنا

ومتى ننس يدعنا التطفيل

ونقل علنا دعينا فغبنا

وأتانا فلم يجدنا الرسول

وأتى طفيلي طعاما لم يدع إليه، فقيل له من دعاك؟ فأنشأ:

دعوت نفسي حين لم تدعني

فالحمد لي لا لك في الدعوة

وكان ذا أحسن من موعد

مخلفه يدعو إلى الجفوة

أفرأيتم أصقع وأصفق وجها من هذا الذي يؤثر الدخول في طعام الناس من غير دعوة على أن يدعى إليه، بحجة أنه ربما تخلف عن الإجابة فوقعت الجفوة بينه وبين داعيه!

ودخل طفيلي في طعام رجل فقال له من أرسل إليك فأنشأ:

أزوركم لا أكافيكم بجفوتكم

إن المحب إذا ما لم يزر زارا

ومن أحسن ما قرأته في وصف طفيلي قول الشاعر:

لو قيل في الشام مطمورة

والهند أو أقصى بلاد الثغور

وأنت في مصر لوافيتها

يا عالم الغيب بما في القدور

سيداتي، سادتي

لم تقتصر مهمة الأدب على تقييد نوادر هؤلاء الذين امتحنوا بهذا الشذوذ الخلقي، وقص ما كان منهم من طرائف ونكت، وما تطرف به أصحاب البدائه عليهم، بل لقد حركت هذه الخلال فيهم ملكات الشعراء والكتاب، فجاءوا في هذا برائع الوصف وبارع التشبيه، مما زاد البيان ثروة، بل لقد بسطت في الأخيلة فأعظمت الصغير من النوادر، وأجلت الدقيق من الحوادث، بل ربما اخترعتها اختراعا، واختلقت القول فيها اختلاقا، وهذه نوادر البخلاء في كتاب الجاحظ ما أحسب كثيرا منها إلا منشأ مصنوعا.

ومن أبدع ما قرأت في نوادر الطفيليين، مما لا أظنه إلا حديثا مصنوعا، هذه الحكاية التي أترجمها لكم بلغتي الضعيفة، فلقد مضى على قراءتي لها دهر طويل، ولما بيت النية على هذا الحديث، بحثت عنها فيما كنت أقدر لها من المظان فلم أصبها مع الأسف الشديد، وهي في أصلها مكتوبة بلغة بارعة لا يتعلق بغبارها هذا البيان، وسأنتهز هذه الفرصة، حين يعرض ذكر ألوان الطعام، فأبدل ما لا نعلم من السكباجة والطهباجة والمضيرة، بما نعرف من الصحاف الدائرة في مصر الآن:

حدث رجل من أهل الكوفة أو البصرة (لا أذكر) قال: كنت امرأ واسع النعمة عريض الغنى، ثم تغير لي الدهر وألحت علي السنون، حتى لم يبق في يدي ما أتجمل به بين أهلي ومعشري، فانحدرت إلى بغداد، إن لم أدرك الغنى فلا يراني على هذه الحال من كان يراني في يسري وأبهتي، وبينا أنا واقف على بعض مداخلها حيران لا أدري لي فيها مذهبا، إذ جاز بي رجل حسن البزة، فما إن رآني حتى وقف يتأملني، ثم تقدم إلي فسلم وسلمت، فقال: لعلك غريب حدرتك السنون إلى هذا البلد في طلب الرزق، ما تعرف هنا خطة ولا تعرف أحدا؟ قلت: بلى قال: فهل لك في أن تأكل أزكى الطعام وتلبس أفخر الثياب، وتأخذ مالا يعود بما يجتمع منه على شملك، إذا رجعت إلى أهلك؟ قلت: وأصنع ماذا، في كل هذا؟ قال: حسبك أن تكون طيعا أمينا، قلت: لقد رضيت، وما لي لا أكون كذلك؟ قال: الشرط أملك، فتعال معي، وتبعته فما زال يخرج بي من طريق إلى طريق، وينفذ من درب إلى درب، حتى أفضينا إلى دار عالية البناء رحبة الفناء فدخلها وأنا وراءه، ثم أفضى بي إلى حجرة فسيحة حسنة الرياش، جلس إلى جانبيها مشيخة من الناس، لهم هيئة حسنة، وجلس في الصدر شيخ أعمى عليه مطرف، وهو أكبرهم عمامة، فتقدمني صاحبي إليه وأسر في أذنه كلاما، فدعا بي، فسلمت وسلم القوم، وقال لي ذلك الشيخ، وعرفت أنه كبيرهم: هل علمت شرطنا ورضيت به؟ قلت بلى يرحمك الله؛ قال: إذن فاعلم أنك قد توجه إلى الوليمة فتقتحم على القوم طعامهم بلطف حيلتك وحسن مدخلك، فكل ما شاء الله لك أن تأكل، فإذا أصبت غفلة من العيون، فدس في أطواء ثوبك كل ما يتهيأ لك دسه من اللحم والحلوى، وإذا وصلك رب الصنيع بمال قل أو كثر، فعليك أن تجيء بالمال وبالطعام، فيقسم هذا وهذا بين الجماعة لكل سهم، وللشيخ (يعني نفسه) سهمان، وهذا شأن إخوانك جميعا، قلت: أفعل إن شاء الله ولا فضل لي فيه، بل الفضل أجمعه إليكم، وقاسمتهم على هذا، فجعل الشيخ يعلمني وينصح لي بما لم أجد ما أحتاج معه إلى مزيد، ثم دعا لي بخير.

المختار · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٦٢