ولقد قلت لكم إن التطفيل قديم، ولكن أساليبه وطرائقه تتشكل وتتلون في كل عصر وفي كل إقليم، طوعا لما يجري من العرف والعادة وغير ذلك من الأسباب.
ولا أظن أننا في حاجة إلى القول بأن من أول ما يتصف به الطفيلي، هو الشره والطبع، وحدة الوجه ولؤم النفس، وهوانها على صاحبها وعلى الناس، فما يدفع إلى التطفيل إلا هذه الخلال، أما الصفات الأخرى التي يحتاج إليها الطفيلي والتي هي أهم وسائله، فمنها خفة الروح، فإن أعوزته فالتطرف بالقدر المستطاع، ومنها سعة الحيلة ولطف المدخل، ومنها حسن السمت ونظافة الثوب، ومنها حضور الذهن وتهيؤ البديهة، وقوة اللسن، وبراعة النكتة، فإذا اجتمع إلى هذا وهذا، إلمام بالأدب وبالسير، وإذا ضمت إليهما القدرة على ارتجال الشعر ما دعت مناسبات الطعام، فذلك والله الطفيلي التام.
سيداتي، سادتي
انظروا كيف يصنع الأدب! اللهم إني لزعيم بأن يجلو على الناس كل ما في هذا العالم من جميل وبديع، مما يتصل بالصور والمعاني جميعا، فإذا عزه الجمال في ظواهر الأشياء، راح يتدسس إلى بواطنها، فاحتال على استخراجه وجلاه على النفوس جلوا، ولربما مال إلى القبيح في ظاهره وفي باطنه معا، فسوى منه صورا لها جمالها ولطفها في باب التلميح والتفكيه، أليس البخل في الناس قبيحا جدا؟ ومع هذا يأبى الأدب إلا أن يجعل من البخل والبخلاء بابا من أوسع أبوابه، وأبلغها في إعجابه وإطرابه، سواء فيما صور من نوادر البخلاء وطرائفهم، أو فيما صورهم به فحول البلاغة في منثورهم ومنظومهم.
والتطفيل ولا شك أقبح من البخل وأكره وأرذل، ومع هذا لقد كان قسمه من الأدب كذلك.
والآن نقص عليكم طائفة من نوادر الطفيليين من المتقدمين، وما قالوا وما قيل فيهم، فإذا اتسع الوقت قفينا على ذلك ببعض نوادر من شهدنا من المحدثين:
مر طفيلي بالبصرة على قوم وعندهم وليمة، فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه ممن دعي، فأنكره القوم وقالوا: لو تأنيت أو وقفت حتى يؤذن لك أو يبعث إليك؟ فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، وما وجهت بهدية فأتوقع الدعوة، والحشمة قطيعة، وطرحها صلة، وقد جاء في الأثر: صل من قطعك، وأعط من حرمك وأنشد:
كل يوم أدور في عرصة الدا
ر أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس
أو دخان أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أر
هب طعنا أو لكزة البواب
مستهينا بمن دخلت عليهم
غير مستأذن ولا هياب
فتراني ألف بالرغم منهم
كل ما قدموه لف العقاب
يقال: لف الرجل في الأكل، قبح فيه وأكثر منه خالطا بين صنوفه، ولف العقاب: أي كما يلف العقاب الصيد ويجعله تحت رجليه.
ومر طفيلي على قوم يأكلون، فقال ما تأكلون؟ فقالوا - من بغضهم له: سما، فأدخل يده في الطعام وقال: الحياة بعدكم حرام.
ومر طفيلي بقوم من الكتبة في مشربة لهم، فسلم ثم وضع يده يأكل معهم، قالوا له: أعرفت منا أحدا؟ قال: نعم، عرفت هذا، وأشار إلى الطعام.
وأظن أن من لم يقرأ منكم عن أشعب فقد سمع بصدر من نوادره، فقد كان - رحمه الله - من أطبع الطفيليين وأشرهم، حتى لقد قيل له ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتساران إلا ظننتهما يأمران لي بشيء.
ووقفت مرة على رجل يعمل طبقا فقال له: أسألك بالله إلا ما زدت في سعته طوقا أو طوقين! فقال له: وما معناك في ذلك؟ قال: لعل يهدى إلي فيه شيء!
ومن ظريف بدائهه أنه ساوم رجلا في قوس عربية، فسأله فيها دينارا، فقال أشعب: والله لو أنها إذا رمي بها طائر في جو السماء وقع مشويا بين رغيفين ما أعطيتك بها دينارا! •••
وقيل له يوما ما تقول في ثردة مغمورة بالزبد مشققة باللحم، قال: فأضرب كم؟ قيل له: بل تأكلها من غير ضرب! قال: هذا ما لا يكون! ولكن كم الضرب فأتقدم على بصيرة؟!
ومن أظرف اعتذارات الطفيليين قول شاعرهم: