تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتوسل كل منهما إلى جماعته أن يطلقوه فلا تنفع الوسيلة، ويضرع إليهم فما تجدي الضراعة، يتوسل أحدهما إلى صحبه أن يطلقوه ليدغدغ رأسه، فيرجو الآخر صحبه أن يدعوه ليفقأ عينيه، فيحلف الأول بأنهم لو خلوا بينهما لبقر بطنه (فتح كرشه)، فيجيب الثاني حالفا أنهم لو تركوه لدق صلبه (يكسر وسطه)، وهكذا من نحو: «والله لو سبتوني عليه لأخليه كفته»، و«حياة النبي، بس سيبوني وأنا أخلي الدبان الأزرق ما يعرفلوش طريق جرة» إلى آخر هذا الوعيد المرعب المهول.

وفي الحق، لقد اشتد غيظي، وكظ الحنق صدري على هؤلاء الوسطاء المتطفلين، حتى لقد هممت بأن أزجرهم عن تطفلهم، وتعرضهم لحريات الناس على هذا الوجه المقيت، أما الواقع، إذا شئت الحق فإنهم يحولون بصنيعهم بيني وبين متعة تستشرف لها منى النفس كما زعمت لك من زمان بعيد.

على أنه لم يرعني، وأنا أتهيأ لهذا الزجر إلا أن يجهد بالجماعتين كلتيهما، ويبدو الكلال والإعياء على الجميع، فتطلق إحداهما صاحبها، وتحذو الأخرى حذوها.

وتزاحف القرنان فاشتد خفقان قلبي، وتداركت أنفاسي، حتى سمعت فيها ما يشبه الزحير، وهرولت إلى أقرب جدار فاستعصمت به، ودرت ببصري ألتمس المهرب إذا دنا مني القرنان، أثناء الصيال في الميدان، والكر لإحكام الضرب والطعان، وجمعت كل ما شرد من نفسي لأشهد المعركة الحامية، وأرقب المعمعة الدامية، وهذه فرصة لا شك فيها، فما كنت من قبل جنديا، ولن أكون من بعد لإحدى الصحف مكاتبا حربيا، حتى يتهيأ لي أن أشهد موقعة، أو أخوض معمعة.

مشى كل من المقاتلين إلى قرنه، والشر تبدو نواجذه الحداد، حتى إذا كان كل منهما على متر من صاحبه وقف، وحلف لئن لاقاه ليصنعن به كيت وكيت! ثم استدار كل منهما وولى صاحبه قفاه ومضى لطيته! مغذا في التسيار، شأن الخائف أن يفوته القطار، أو كأنه على موعد من حبيب طال به الانتظار!

سلمت أمري لله، واستقبلت وجه الطريق في انتظار «الباس» ليبلغ بي مثابة عملي، فلم يرعني إلا أن أرى «الكبري» يتحرك ليفرج مجازا للسفن هابطة وصاعدة!

الله أكبر! إذن لقد كان مشروع هذا المعركة الهائلة مجرد «مناورة» لأسافر إلى مقر عملي عن طريق رأس الرجاء الصالح، لا عن طريق قناة السويس بعد أن استحكم اليأس، من المرور على «كبري» عباس!

| التطفيل والطفيليون1

سيداتي، سادتي

بحسبنا ثلاث محاضرات متوالية، كلها في جد القول ومره، في زمت هذا الصيف ووقدة حره، فلنستروح هذه المرة بشيء من التفكيه، لنجعل الراحة لذلك الجد جماما، فنحن على هذا في الجد دائما، حتى إذا انحرفنا يوما إلى شيء من العبث أو ما يشبه العبث، فلنرفه به أنفسنا ونسلي عنها لنعود لشأننا ممدودي الأنفاس مشدوي المتون. وحديثنا الليلة مع هذا يجري في باب من أبواب الأدب العربي، ولا تعجبوا إذا كان من أحاديث الأدب القول في التطفيل والطفيليين! ولست أتجوز بهذا اللفظ فأطلب به المتطفلين في العلم أو في الأدب ونحو ذلك، إنما أقع باللفظة على الحقيقة، وهي تعرض المرء لطعام الناس من غير أن يدعى إليه، أما الداخل في شرابهم من غير دعوة كذلك، فيدعى الواغل، ومثلهما الدعي، وهو الداخل في نسب القوم وليس منهم.

والطفيليون نسبة إلى رجل يدعى «طفيل العرائس»، وقد زعموا أنه أولهم، فإليه كانت نسبتهم، ولكنني أحسب أن التطفيل قديم جدا قدم الشره في الإنسان وهوان نفسه عليه، وتطلعه إلى ما ليس له ولو كان طعاما، وتهافته عليه مشايعة لشهوة البطن، مهما ناله في ذلك من مكروه أدبي أو مادي، وربما كان عقد لواء الأولية في هذا الباب لهذا «طفيل العرائس» لأنه أول من احترفه، فلقد أصبح التطفيل حرفة مقررة مرسومة إلى وقت قريب، أو لأنه أول من شرع آدابه، واستفتح بلطف الحيلة أبوابه، وقعد قواعده وأصل أصوله، وفرع فروعه وفصل فصوله، ومن روائع حكمه، وجوامع كلمه، ما قال يوصي به صحبه: «إذا دخل أحدكم عرسا فلا يلتفت تلفت المريب ويتخير المجالس، وإن كان العرس كثير الزحام فليمض ولا ينظر في عيون الناس، ليظن أهل المرأة أنه من أهل الرجل، ويظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة، فإن كان البواب غليظا وقاحا، فيبدأ به ويأمره وينهاه من غير أن يعنف عليه، ولكن بين النصيحة والإدلال.»

المختار · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٦٠