فإذا بلغت «الزفة» في مسراها ذلك الموضع، أعني الرقعة الواقعة بين مسجدي الحنفي والشيخ صالح، إذ الأعداء متربصون هناك، أذن المؤذن بنشوب القتال، وكانت أول عصا تهوي على رءوس الزمارين المساكين، فاكتسبوا هم الآخرون بطول التدريب والتمرين مهارة في اتقاء الضرب، وفي احتماله، وفي الفرار وتولية الأدبار؛ وكان أشدهم في هذا عناء هم الطبالين لما يثقلهم من حملهم، وكثيرا ما تتخرق طبولهم بضربة العصا، أو بقبضة يد من ضارب صناع!
ويزخر الميدان، ويتلاقى الأقران، ويستحر القتال والطعان، فلا ترى إلا عصيا تتهاوى على الأبدان، فتشق الرءوس شقا، وتدق الأصلاب دقا، وتخسف الأصداغ خسفا، وتقصف الأضلاع قصفا، والدماء تسيل حتى تجلل الثياب، وتفيض على الأرض بما يروي من غلة التراب، وهذه الدماء هي أوسمة الشرف يتحلى بها الكماة الأبطال، إذا رجعوا إلى معشرهم من معترك القتال.
ولقد تسمع الكمي وقد واجه عدوه وشرع عصاه، وتهيأ للوثاب وهو يصيح: وارايا ... وهو كلام قبيح لا يجوز رده على الآذان.
سيداتي، سادتي
لم يكن البوليس ليجرؤ، في غالب الأحيان، على اقتحام هذه الملاحم، أو يستطيع ضبط تلك المواقع، بل لقد كان يولي عنها فرارا، وهنا ينبغي أن يذكر أن أحدا من هؤلاء الفتوات أو أوليائهم لا يمكن ولو بجدع الأنف أن يتقدم بالشكوى إلى البوليس أو غير البوليس، ولو كان الضرب قد أتلفه وأرداه، بل لقد كان في ذلك العار ليس بعده عار، والشنار ليس وراءه شنار!
هذه كانت بعض مظاهر البطولة عند أولاد البلد في الجيل الماضي، وثم مظهر آخر من مظاهرها، وأعني به الحرب الجبلية، ولا يتسع الوقت لوصفها وعرض حديثها، ولعلنا نجرد لذلك محاضرة أخرى!
ومهما توصف هذه الحالة بالوحشية، أو الهمجية، أو الاحتفال للعدوان، والخروج على النظام، فلقد كانت بطولة لها قيمتها على كل حال!
ولسنا الآن بسبيل العوامل التي قضت على هذه البطولة عند أولاد البلد، ولكنا نسجل فقط أنها قضى عليها القضاء التام، ولم يبق من آثارها إلا مجرد ادعائها والتظاهر بها، فيما تسمعه من هؤلاء أولاد البلد أثناء «الشروع في الخناقات» من ألوان الوعيد والتهديد، بتهشيم الآناف، وتحطيم الأكتاف، وتكسير الرءوس، وإزهاق النفوس، فليس وراء هذا النفخ «المعر» شيء أبدا.
| مشروع معركة!1
خرجت مصبح اليوم على عادتي، أطلب مثابة عملي في الجيزة، وما إن كدت أبلغ موقف «الباس»، وهو على بضع عشرات الأمتار من «كبري» عباس، حتى رأيت منظرا جميلا استدرج همي، وشغل كل نفسي، فإنني لحق مشوق إليه من زمان طويل!
فتيان أو شابان من «أولاد البلد»، قد تفصدت نفساهما بالشر، واحمرت من فورة الغيظ أحداقهما، وها أنذا أراهما يتواثبان للمعركة الحامية، تشج فيها الرءوس، أو تخلع الأكتاف، أو تدق الأصلاب وتقد المتون.
لقد أوحشني حقا هذا الضرب من «الخناق» الوطني يتهشم فيه الضارب والمضروب جميعا، وناهيك بمن لا يتسلحون لمعاركهم، في النزال على وجه خاص بمسدس ولا بسكين، ولا بعصي ولا بحجر، وحسب الفتى من السلاح يده ورجله ورأسه، ففي الضرب «بالروسية» غنى للمقاتلين!
وتالله ما بي أي حب للشر، ولا أنا ممن يستريحون إلى شهود الأذى، وإني لأتألم أشد الألم إذا رأيت حيوانا يتألم فضلا عن إنسان، ولكن هذا اللون من العراك (الخناق) بين أبناء البلد، كان مظهرا من مظاهر الفتوة والبطولة في مصر، فعفي أثره من زمان بعيد، وهذا مع الأسف العظيم.
وقفت إذن مغتبطا مستبشرا بشبوب المعركة، وعودة ذلك التقليد المصري القديم، على أن وسطاء الخير أو وسطاء السوء من السابلة، أسرعوا فحالوا بين القرنين، وأمسك أربعة منهم بواحد، وأمسك ثلاثة بالآخر، وجعل كل جماعة يجذبون صاحبهم ليبعدوه عن خصمه، وهو يقاومهم أشد المقاومة، ويحاول الإفلات منهم ليثب إلى صاحبه، إذ هم يدافعونه عن هذا بكل ما يملكون من القوة.