أفغناء هذا أم سجع هزار، وإنشاد هو أم ترجيع كنار، ويتردد في حلق غانية أم في قصبة من مزامير داوود، نفخت فيه القدرة لتشعر أهل الأرض نعيم أهل الخلود؟
غني يا ... غني، واشتدي في غنائك أو ليني، وابغمي
2
في شدوك أو أبيني، أو حلقي بالصوت صياحا،
3
أو دفي به
4
وأسجحي إسجاحا،
5
ثم صولي به وتدفقي، أو تزيلي فيه وترفقي، وتجلي به على الأسماع مرسلة أجزاؤه مستوية أطرافه، أو ملتوية أصلابه متثنية أعطافه.
غني يا ... فهذي قلوب سامعيك طوع ترديدك وترنيمك، وهذي أحلامهم رهن ترجيعك وتنغيمك، فقد طالما عبث صوتك بالألباب، وهتك عن أخفى العواطف كل حجاب!
خبريني بعيشك، كيف تصنعين يا ... بالناس؟
أفتوة هذه ومراح، أم دعة هذه وارتياح؟ وسرور وبهجة، أم هم يصدع الكبد ويعصر المهجة؟ وغضب هذا أم رضى، ونعيم ذاك أم تلك نار الغضبى؟ وآنة تيك من تبريح الجوى، أم آهة تنفست بها ذكرى الصبابة والهوى؟ وسكر ما فيه الناس أم صحو، وفرح ما يجدون أم شجو؟ وسكون ما ترى وفتور، أم فورة تريك جبل النار كيف يثور؟ كل هذا من عبثك بالألباب يا فتنة.
غني يا ... غني، فلو تمثل صوتك إنسانا، لاستوى على عرش القلوب سلطانا!
أليس عنده الرفع والخفض، والبسط والقبض، والسعد والنحس، والوفر والبؤس، واللذة والألم، والصحة والسقم، والأنس والنعيم، والهم المقعد المقيم؟
إن صوتك يا ... لفتنة في الفتنة! أفرأيت كيف حلا للطباع، وعلمت كيف لذ للأسماع ووالله لو أدرك بالأنوف لكان وردا وياسمينا، أو أدرك بالأبصار لتمثل آسا ونسرينا،
6
أو لو كان يحس بالأفواه لصار في المذاق جلابا
7
مروقا، أو لو كان يمس بالأيدي لاستحال ديباجا
8
منمقا مزوقا! •••
غني يا ... واسجعي، واشدي يا حمامة هذا الوادي ورجعي، وإذا لم يكن في طوقك أن تسعدي هذه الحال، فحسبك أن تسعدي الذكرى وتنعمي الخيال!
| طرب!1
قرائي الأعزاء
اللهم إن كنتم تريدونني على أن أحدثكم الليلة في العلم والأدب، أو في الصبر والجزع، أو في تقدم الصناعة وتحرك التجارة، أو في غير ذلك من هذه الأسباب الدائرة بين الناس، فإنني أكذبكم القول، فليس في نفسي الليلة من ذاك كثير ولا قليل، فإذا أخذتكم علي موجدة فردوها على ذلك المعنى، وليأخذ كل منكم بحقه من حلقه، فقد جلست أسمعه أمس، وما زلت من أمس، كلما نهضت إلى القلم لأكتب لكم فيما آخذ من فنون القول، طن في أذني جرسه، وملكني رنينه من جميع أقطاري، فأعود لا أرى غير صورته، ولا أسمع غير صوته، ولا أفكر في شيء غيره!
إذن فلأكسر حديثي الليلة على هذا الطرب إن كنتم تريدون مني ألا أحدثكم إلا بما أجد: غنانا صالح، ولست أدري أكان مغنيا يرسل الصوت فيقع حقا في الآذان، أم ساحرا يتلعب بألبابنا فيخيل إلينا أنا في الجنان، نتمايل على النسيم بين الآس والريحان، ونسمع من شدو القماري على أيكها أبدع الأنغام وأروع الألحان.
حدثني يا فتى! أي روض جاز به صوتك قبل أن يبلغنا؟ وكم نسمة اختلطت به مما نفث فيه صب مشوق، وحمل عاشق من زفرات كبده إلى معشوق، حتى أخذ فينا كل هذا الأخذ ، وفعل بقلوبنا كل هاتيك الأفاعيل؟
آه: وفي آه لذة وألم، وفيها برء وسقم، وفي آه راحة وعناء، وفيها يأس وفيها رجاء!
أشاكر أنا أم شاك، وضاحك أنا أم باك، وراض أم غضبان، وسال أم ولهان، وناعم أم بائس، وراج أم آيس؟ لقد عزني أمري فسلوا صوته ونبئون!
يا ليل! ... وما عساك تبغي من الليل؟ لقد نام الخليون هنيئا لهم، وأمعنوا في المنام!
نعم، إن فيك يا ليل عيونا تسيل بالدم شئونها، وإن فيك يا ليل جراحات تفيض بالدمع عيونها، وكم فيك يا ليل من فؤاد تحلل نسما، وكم فيك يا ليل من أكباد تطايرت حمما، هذا عان يشكوك بثه وأساه، وهذا صب يبثك وجده وجواه، وهذا مشدوه لا يتخذ الرفيق إلا من بين كواكبك ونجومك، وتلك والهة لا تجد الأنس إلا في وحشتك ووجومك.