فإذا جاءت نوبته الثانية واستوى في مجلس الترتيل، رأيت فيه فتاء وقوة لا عهد لك بهما من قبل، وخرج صوته مرنا واضحا ليس عليه من الصدأ إلا قليل، ويقرأ ثم يقرأ؛ على أنه لا يأخذ في قراءته سمتا واحدا؛ بل ما يبرح يترجح بين فنون النغم؛ ولكن تحيره هذه المرة ليس في التماس النغمة التي تعيذه وتعصمه، بل في التماس تلك التي تضنيه وتتعبه، إذ صوته في أثناء ذلك يقوى ويشتد، ويعلو ويصفو، حتى يصير أوضح من فرند سيف خرج لساعته من الصقال، وينطلق في طلب الصيد من ها هنا ومن ها هنا، ولا يريغ من النغم إلا الأوابد، فإذا أصاب قنيصته راح يلون لها الافتراس ألوانا، ويشكل لها الالتهام أشكالا، فما يدعها إلا «أعظما وجلودا»، وهو أثناء ذلك يقيم الناس ويقعدهم، ويطويهم وينشرهم، ويذيقهم المهول الرائع من الطرب والانبهار، وما شاء الله لا قوة إلا بالله !
وهو رجل جريء جدا في بابه، لم أر من يعدله في جراءته إلا أن يكون الأستاذ الشيخ علي محمود، وصل الله في عمره، فلقد كان الشيخ ندا رحمه الله يكون في أعلى طبقات الصوت إلى الحد الذي يعلق له السامع النفس، ما يظن أن وراءه لصائح مدى، إلا أن تتصدع الحنجرة أو ينفجر الوريد، ثم تتنظر له من جانب السماء نغمة جديدة، فسرعان ما يتجمع لها، فما يزال يمط صوته القوي الجريء إليها، ولقد تراوغه بادئ الرأي، فلا يبرح يتحرف لها متيامنا تارة ومتياسرا أخرى حتى إذا شكها زر حنجرته عليها، فخرجت له، على هذا الجهد كله، نبرة لينة حلوة، لا عسر فيها ولا كلفة، كأنما أصابها وهي تدف
3
على ظهر الأرض لا تحلق في عنان السماء؛ ولقد أبت عليه كرامته في تلك المواقف المهولة أن تزل به قدم، أو ينشز عليه ما أراغ من النغم!
ولو قد هيئ لك أن تسمعه في نوبة ثالثة، فتلك التي لا يتعلق بها وصف واصف، وسبحان الخلاق العظيم! •••
ولقد عاش الشيخ أحمد ندا، على هذا خمسين سنة أو تزيد قليلا أو تنقص قليلا، قضى منها سنين طوالا لا يكاد يستريح من السهر ليلة واحدة، ولقد يسهر الليلة في أسيوط، ويسهر التالية في المحلة الكبرى مثلا، فيجلجل في الثانية كما يصلصل في الأولى، ما ترى على صوته أثرا لضعف ولا انخذال!
وإذا كان تاريخ الغناء العربي قد أحصى نفرا ممن عمروا فيه مع القوة وسلامة الصوت من أمثال إسحاق الموصلي وابن جامع، فقد امتاز الشيخ ندا عن أولئك جميعا بأنه أمضى جميع تنغيمه بذلك الجهد الشنيع، فهو بلا شك رجل في التاريخ عظيم ولولا أن الحديث قد طال لذكرت كثيرا من مفاخره في لياليه؛ وإن من حقه على معاصريه أن يثبتوها له على وجه الزمان.
وإني لأختم هذا الكلام بتصحيح واقعة أيضا رواها السيد التفتازاني عن الفقيد فيما أبنه به في الأهرام، فلقد روى أن الشيخ أحمد ندا انقطع بضع سنين إلى الغناء، وترك ترتيل القرآن! والواقع وأنا في هذا شاهد رؤية، أن الرجل لم ينقطع قط عن ترتيل القرآن والتكسب به، ولكن أتى عليه وقت كان إذا ختم تلاوته في حفلة عرس أو نحوه، جاءوه بعواد فاستوى إليه وجعل يتغنى ببعض المقطوعات، وكثيرا ما كان يرجع أبياتا من الشعر أذكر أن أولها:
4
عمري عليك تشوقا
قضيته وعزيز صبري
على أنه كان يتغنى على طريقته في القراءة، فكان غناؤه سخيفا مضحكا، وإن غناء القراء لأشبه بشعر الكتاب، كما أن تلاوة المغنين أشبه بنثر الشعراء؛ ومهما يكن من شيء فإنه لم يلبث في هذه المحنة طويلا، فلقد ترك الغناء بتاتا وتوافر على تلاوة القرآن الكريم. •••
هذه كلمة حق أرسلها خالصة لوجه الله تعالى، وفاء لحق التاريخ أولا، ولحق الصحبة الطويلة والجوار السعيد ثانيا.
وإني أسأل الله تعالى أن يثيب الفقيد العظيم بقدر حسناته، وأن يعزي هذه البلاد عنه أحسن العزاء.
| غني يا ...!1
وحيا الله ...، وحيا صوتها العذب الرخيم.