تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تحت الضلوع عواطف تئن من طول احتباسها، فأطلقها «يا ليل» تمزج أنفاسك بأنفاسها، أطلقها تملك الجو عليك طربا وشدوا، وتملأ هذا الهواء تحنانا وشجوا، ففي العواطف بلبل وكنار، وفيها يا ليل فاخت وهزار! أطلقها بالله يا ليل، لتغني الثريا، لتغني وتشكو وجدها لسهيل:

أبكي الذين أذاقوني مودتهم

حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا

واستنهضوني فلما قمت منتهضا

بثقل ما حملوني في الهوى قعدوا

لأخرجن من الدنيا وحبهم

بين الجوانح لم يشعر به أحد

يا عين، وقل يا عين حقيقة أردتها أم مجازا، ورجعها صبا غنيتها أم حجازا، فإنه:

هوى بتهامة وهوى بنجد

قد اعيتني التهائم والنجود

غن يا فتى غن، فالله أكرم من أن يثير هذا كله في صدور الناس ويحرمهم غناءك يا صالح!

الباب الخامس

| في المداعبات والأفاكيه

| النكتة المصرية في العصر الحديث1

سيداتي، سادتي

لقد استهللت كلامي معكم في الأسبوع الماضي بأنني كنت عقدت النية على أن أحدثكم حديثا فكها قصدا إلى ترفيهكم والتسلية عنكم، ثم انصرفت عن هذا لأنه غير لائق في ليلة مولد الرسول الأكرم

صلى الله عليه وسلم ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يقول إلا حقا، وأما نحن فنمزح وقل أن نقول في مزاحنا حقا، نسأل الله السلامة، من عقبى الحساب في يوم القيامة.

أحدثكم الليلة حديثا إذا هو بعد بعدا شاسعا عما سبق لي أن تناولته من الموضوعات في هذا الموقف، فهو داخل في جملته في تلكم الدائرة المرنة، التي تتسع لما تضيق به أوسع دائرة مرنة في العالم، ألا وهي دائرة الأدب، ومن ينكر أن هذا لون من الأدب، فهو امرؤ لا أحسبه يعرف الأدب.

موضوعي الليلة هو النكتة المصرية في العصر الحديث، فإذا فرغنا من القول في ذلك ألممنا بشخصية من الشخصيات التي حذقت هذا الفن، وبرعت فيه أيما براعة، وهي شخصية المرحوم إمام أفندي العبد.

وهنا أرجو أن ترخصوا لي في أن أتكلم، ما دعت الحاجة، بالعامية الخالصة، لأن النكتة إذا سبكت في العربية الخالصة فقد ينضب ماؤها، ويحول بهاؤها، وإنني لأذكر أنني قرأت للإمام الجاحظ شيئا في هذا المعنى، وأين نحن من إمام البيان غير مدافع، وأين بياننا من بيانه، وأين تجويد أقلامنا من عفو لسانه؟

سيداتي، سادتي

إذا أنا خصصت النكتة المصرية بالذكر، فذلك لأنني لا أعرف أمة من الأمم العربية الأخرى أحسنت هذا النوع أو برعت فيه براعة المصريين،

2

ولست بالضرورة أعني تلك النكتة البلدية القائمة على التلفيق بين صدر معنى من المعاني، وبين ألفاظ ثابتة لمعان أخر، فيخرج من هذا التلفيق صورة مضحكة بحكم المفارقة بين هذين الشقين، وهذا النوع يدعوه العامة «بالقافية»، ولأضرب لكم مثلا أو مثلين لتوضيح هذا الكلام، ففي «قافية» الغناء مثلا يقول الرجل لمناظره: إخوانك يشوفوك على المشنقة يزعقوا ويقولوا: اشمعنى؟ - كده العدل!

وفي «قافية» الجرائد يقول له: أنت مسميينك في البيت.

اشمعنى؟

البرص! وهكذا، فهذا هو التلفيق الذي عنيت.

لا أريد بالضرورة هذا اللون من النكتة، لأنه لا أثر فيه للذكاء، ولا مجال لسرعة الخاطر، هذا إلى أن حظه من التصوير غير جليل، وإلى أنه ثابت مدون محفوظ؛ يقال لكل من شارك فيه في كل مقام.

إنما أريد ذلك النوع الذي تلهمه دقة التفطن، وسرعة الخاطر، وحضور البديهة، والقدرة القادرة على لطف التصوير والتخيل، ولقد يكون للنكتة من هذا اللون مغزى بعيد قد تعيي إصابته على الرجل الحكيم، وقد يكون لها من قوة الأثر، ما لا يكون لمقالة الكاتب مهما أطال وأسهب، ولا لقصيدة الشاعر مهما أضفى وأسبغ.

سيداتي، سادتي

لعلكم عرفتم من هذا، أن البراعة في النكتة على هذا، تحتاج في المرء إلى خلال: منها الذكاء اللماح، وسرعة الخاطر، وقوة اللسن، وأعني بها هنا القدرة على دقة التصوير والتخييل باللسان، والعلم بأحوال الزمان والبيئة والأشخاص، وشيء من الجراءة، ولا أحب أن أقول: شيء من قلة الحياء، وأخيرا لا بد لها من خفة الروح، فلا خير في نكتة تجيء على لسان ثقيل.

المختار · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٥٤