تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبو نواس شاعر كما هو إنسان، وإنك إذا طلبت الرجل المفتن الكامل، قد ملك الفن عليه كل مذاهبه، وطالعه من جميع أقطاره، وجرى في أعراقه مجرى دمه، واعتلج معتلج العواطف في نفسه، فأمسى وهو لا يكاد يشعر إلا به، ولا يتذوق الأشياء إلا من حيث يذيقه، إنك إذا طلبت هذا المفتن التام، فأرجو أن تجده في هذا الشاعر أبي نواس.

أبو نواس شاعر بأبلغ ما تدل عليه هذه الكلمة وأدقه وأجمعه وأكفاه، هو رجل مرهف الحس، نافذ الشعور، خصب الذهن، صافي النفس، جوهري الطبع، وإن شئت قلت: إنه يكاد يكون في أصل خلقه مجموعة معان لولا أن تجسد بعضها فاستحال لحما وعظاما لظل سابحا بكل خلقه في مسابح الأرواح!

هو رجل يشعرك مرسل شعره بأن نظره كان ينفذ إلى صميم الأشياء، بل لقد يشعرك بأن الأشياء كانت تلطف له وتشف ليتناول من صميمهما ما يشاء، وسرعان ما يتنفس بهذا الذي أدرك شعرا إذا كف عنه القلم أو حبس دونه اللسان!

فإذا أنت طلبت أبا نواس المفتن فإياك أن تطلبه في قوله:

وأخفت أهل الشرك حتى إنه

لتخافك النطف التي لم تخلق

ولا في قوله:

وإذا المطي بنا بلغن محمدا

فظهورهن على الرجال حرام

ولا في قوله:

لا تسدين إلي عارفة

حتى أقوم بشكر ما سلفا

لا تطلبه في هذا ولا في نظائره مما يتكثر به غيره من الشعراء، فإنني أقسم لك بشاعرية أبي نواس على أنها ما جلت عليه قط مخافة نطف المشركين للرشيد! ولا كان صادق الحس إذ دعا ممدوحه إلى ألا يسدي إليه العارفة، فإنه ما اجتمع لنظم القصيدة كلها إلا لاستخراج الصلة، واصطياد هذه «العارفة»! ولا حرم ظهور تلك الإبل التي أبلغته الأمين، ولا كانت نفسه لتطيب منها بقلوص

5

واحد في غير نفع مادي! اللهم إنه في كل هذا الكلام لا يصدر عن طبع، ولا يعتلج له حس، ولا تترقرق به عاطفة، إن هو إلا التكلف في اصطياد المعاني، والصنعة في خلق الأخيلة، مباراة لشعراء العصر، واستخراجا لأموال الممدوحين، فبهذا كانت تستخرج منهم الأموال.

كان أبو نواس في جميع أسباب حياته شاعرا مفتنا إذ هو إلى ذلك رجل مستهتر، خلع مثانيه، وتحلل من كل ما يأخذ الناس به نفوسهم في هذا المجتمع، أو ما ندعوه نحن في عصرنا هذا «بالتقاليد»، فإذا رأيته يصف الخمر ويغلو في مدحها أشد الغلو، وإذا رأيته يرسل القريض في ألوان العبث، فلا يتحرج من قول ولا يتأثم من نكر، ويبتذل في هذا من نفسه للناس بما يضن به أدناهم مروءة على ذات نفسه، مهما يكن في سر من الناس، إذا رأيته كذلك فاعلم أنك في شعر أبي نواس المفتن حقا، والمرسل النفس حقا، والمنتضح الطبع حقا، أما إذا رأيته في ذلك الذي أغلى أقدار غيره من الشعراء من المديح وغير المديح، فاعلم أن الرجل قد خرج عن طبعه، واطرح شاعريته، وراح يتكلف القريض تكلفا، حتى إذا أصاب به رزقا، أقبل على نفسه واعتنق شاعريته الحق، ولا يزال في شأنه هذا حتى ينفذ زاده، ويرق عتاده، فلا يرى بدا من أن ينقلب إلى معالجة «المهنة»، وهكذا.

قال أبو نواس في إحدى مدائحه يصف الناقة:

ولقد تجوب بي الفلاة إذا

صام النهار وقالت العفر

6

شدنية رعت الحمى فأتت

ملء الحبال كأنها قصر

7

تثني على الحاذين ذا خصل

تعماله الشزران والخطر

8

أما إذا رفعته شامذة

فتقول رنق فوقها نسر

9

أما إذا وضعته عارضة

فتقول أرخي فوقها ستر

وتسف أحيانا فتحسبها

مترسما يقتاده إثر

فإذا قصرت لها الزمام سما

فوق المقادم ملطم حر

10

وقال يصف النياق التي حملته إلى ممدوحه:

إليك ابن مستن البطاح رمت بنا

مقابلة بين الجديل وشدقم

مهارى إذا أشرعن حر مفازة

كرعن جميعا في إناء مقسم

نفخن اللغام الجعد ثم ضربنه

على كل خيشوم نبيل المخطم

حدابير ما ينفك من حيث بركت

دم من أظل أم دم من مخدم

11

وقال غير هذا وهذا في وصف النياق، ولكم وقف في أشعاره بالديار، وبكى النؤي والأحجار، فنحى في قريضه منحى العرب السابقين، وأتى بالجزل من اللفظ، واستكثر من الغريب، بحيث لو أضيف أكثر هذا إلى بعض شعراء الجاهلية، ما تفطن إلى مواضع الصنعة فيه من النقدة إلا قليل، ومع هذا كله فلم يكن به الشاعر المفتن، وإن شئت التعبير الأدق قلت: إن أبا نواس لم يكن به أبا نواس؛ لأنه فيه حاك مترسم، لا يفضي بذات نفسه، ولا يترجم عن شيء من حسه، وما لي أجهد في مذاهب التدليل، وهذا قول أبي نواس نفسه في تهكمه وزرايته بهذا الضرب من الشعر يعد أصدق دليل: قال:

المختار · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٤٠