اللهم لا! وإذا ظن أن من متقدمي الشعراء من رفع بعض النقدة بمثل هذا أقياسهم وأقدارهم، فثبت به ذكرهم على الأيام، فإن أبا نواس لم يخلد به، ولا كان قط مدينا له، وإن كان قد جاء منه بما لو ينته فيه كثير من أعلام البيان منتهاه!
الواقع أن أبا نواس كان من أولئك الأفذاذ الذين يشح الزمان بهم فلا ينتضح بأمثالهم إلا نطافا في أثناء الحقب الطوال، ولعل كلمة «فلان نسيج وحده» التي ينفضها أبناء العرب على المرء إذا عز أكفاؤه، لا تبلغ موضعها الحق من الجد والصدق والإشراف قدر ما تبلغ إذا أضيفت إلى هذا الرجل العظيم!
أبو نواس شاعر فحل، يرفعه نقدة البيان إلى الذروة، ويسلكونه في نظام جميل مع أشعر شعراء عصره، وقد يؤثرونه على بعضهم، ويرفعون منزلته عليهم، ما في هذا شك ولا كان يوما في مطرح الحوار بين أهل البصر بمنازع الكلام.
إذن فأبو نواس شاعر من أفحل شعراء العصر العباسي الأول، وقد أحله عند كثرة الناس هذا المحل أنه مدح فلم يتخلف عن أبلغ المادحين، ووصف فكان من أجود الواصفين، وضرب في سائر فنون الشعر فما ونى في شيء ولا قصر، بل لقد أرسل من سوابق القريض ما لا يتعلق بغباره، ولا يسهل ترسم آثاره، وما له لا يبلغ هذه المنزلة في الشعراء، وهذه قصيدته في مدح محمد الأمين: «يا دار ما فعلت بك الأيام».
والتي جاء فيها:
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم
3
وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه
فإذا عصارة كل ذاك أثام •••
وإذا المطي بنا بلغن محمدا
فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الحصى
فلها علينا حرمة وذمام
رفع الحجاب لنا فلاح لناظر
قمر تقطع دونه الأوهام
ملك إذا علقت يداك بحبله
لا يعتريك البؤس والإعدام
وهذه قصيدته التي يمدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر المنصور، وأولها:
أيها المنتاب من عفره
لست من ليلى ولا سمره
لا أذود الطير عن شجر
قد بلوت المر من ثمره
وهذه مدحته في الخصيب:
أجارة بيتينا أبوك غيور
وميسور ما يرجى لديك عسير •••
تقول التي عن بيتها خف مركبي
عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب
بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر
جرت فجرى في جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلة
إلى بلد فيه الخصيب أمير
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا
فأي فتى بعد الخصيب تزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله
ويعلم أن الدائرات تدور
فما جازه جود ولا حل دونه
ولكن يصير الجود حيث يصير
فلم تر عيني سؤددا مثل سؤدد
يحل أبو نصر به ويسير
وتلك طواله وقصاره في مدح الرشيد، والأمين، والعباس بن عبيد الله، والفضل بن الربيع، وولديه العباس ومحمد، والخصيب بن عبد الحميد، وإبراهيم بن عبيد الله الحجبي، والحسين بن عيسى، وغير هؤلاء كثير.
ثم هذه مراثيه للرشيد، والأمين، وأستاذه والبة بن الحباب وسواهم.
وهذه قصائده ومقطوعاته في العتاب، والزهد، والطرد، والغزل، والوصف، وغير أولئك مما تستهلك الإلمامة به أضعاف القدر المقسوم لهذا المقال، دع أحاديث الخمر والمجون الآن، فسينعطف عليها بعد الكلام.
وبعد، فقد انعقد عند جمهرة الناس هذا الحظ من الشاعرية لأبي نواس بما يجول في عامة شعره من كرائم المعاني، وما تنقطع دون بعضه علائق القريض من معنى مبتكر يجري في لفظ شريف، قد بهج
4
دبجه، وأحكمت صياغته وألحم نسجه، وكذلك مضى الحكم على شاعريته كما مضى على شاعرية لداته من متقدمي الشعراء في ذلك العصر.
وفي رأيي أن شاعرية أبي نواس لم تتجل في حيث يظن هؤلاء، بل لعله إذا كان قد دخل عليها نقص، أو تطرق إليها شيء من الوهن، فمن هذه الناحية أصابه ما أصاب!
لقد كان أبو نواس رجلا موهوبا حقا وعبقريا حقا، كذلك طبعه الله وعلى هذا طواه، حتى لو جاهد نفسه على ألا يكون شاعرا ما استطاع مهما ألح في الجهاد، وهيهات أن يكون لامرئ بتغيير خلق الله يدان!