قل لمن يبكي على رسم درس
واقفا ما ضر لو كان جلس
تصف الربع ومن كان به
مثل سلمى ولبينى وخنس
اترك الربع وسلمى جانبا
واصطبح كرخية مثل القبس
وقال:
لا تبك رسما بجانب السند
ولا تجد بالدموع للجرد
ولا تعرج على معطلة
ولا أثاف حلت ولا وتد
ومل على مجلس إلى شرف
بالكرخ بين الحديق معتمد
إلخ ...
وقال:
دع الأطلال تسفيها الجنوب
وتبكي عهد جدتها الخطوب
وخل لراكب الوجناء أرضا
تحث بها النجيبة والنجيب
إلخ ...
وقال:
عاج الشقي على رسم يسائله
وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد
لا در درك قل لي من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ولفهما
ليس الأعاريب عند الله من أحد
لا جف دمع الذي يبكي على حجر
ولا صفا قلب من يصبو إلى وتد
فإذا شئت بعض مذهبه في الحياة خالصا، فلعله يغنيك في هذا قوله:
ترك الصبوح علامة الإدبار
فاجعل قرارك منزل الخمار
لا تطلع الشمس المنيرة ضوأها
إلا وأنت فضيحة في الدار
لعله قد خرج لنا من كل ذلك أن أبا نواس إنما كان يجتمع اجتماعا لنظم تلك القصائد الفخمة التي يرفع بها كثرة النقدة شاعريته، وكان يلهب عصبه، ويشب ذهنه في صنع الأخيلة واختلاق فنون المعاني، ويذكي ذاكرته في التماس ما عسى أن يكون جاز به من غريب اللفظ ومجفوه، ليكتب له التقدم والتبريز على شعراء عصره، فمشاكلة شعر الجاهلية في عرف بعضهم، إنما كان السبيل إلى البراعة والتبريز.
ولقد يدل هذا منه ومن غيره على كفاية كافية، ولقد يدل على براعة في نظم الشعر بارعة، ولكنه لا يدل قط على أن مفتنا يترجم عن حسه هو، أو بعبارة أخرى، على أن عبقرية تلهم ومفتنا يستلهم، أو على أن عبقرية تأمر ومفتنا لا سعي له إلا في التدوين والتسجيل!
فإذا تطلعت إلى شاعرية أبي نواس، فالتمسها في معابثه ومباذله، والتمسها في كل ما يبعث شعوره من منظر بهيج، ومقام يذكي الحس ويهيج.
التمس شاعرية أبي نواس الحق حيث يصف آثار مجلس شراب:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا
بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى
وأضغاث ريحان جني ويابس
حبست بها صحبي وجددت عهدهم
وإني على أمثال تلك لحابس
تدور علينا الراح في عسجدية
حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها
مها تدريها بالقسي الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبهم
وللماء ما دارت عليه القلانس
وفي قوله يصف الخمر وساقيها:
إذا عب فيها شارب القوم خلته
يقبل في داج من الليل كوكبا
ترى حيث ما كانت من البيت مشرقا
وما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها ساق أغن ترى له
على مستدار الأذن صدغا معقربا
سقاهم ومناني بعينيه منية
فكانت إلى قلبي ألذ وأطيبا
وفي قوله في مثل ذلك:
نبهت ندماني الموفي بذمته
من بعد إتعاب كاسات وأقداح
فما حسا ثانيا أو بعض ثالثة
حتى استدار ورد الراح بالراح •••
وحسبي هذا القدر من الاستشهاد، وإلا هويت معه من النكر إلى قرار سحيق، أسأل الله أن يغفر لي ويغفر له.
ولقد نرى عامة شعره في هذا سهلا ميسرا حتى كأنه حديث من الحديث، وهذا الذي تنقطع دونه علائق القريض؛ على أئمة البيان قد عرفوا له هذا، وأجلوا به محله، ورفعوه إلى الذروة بين نظام الكلام.
وبعد، فقد طال المقال وما زال في النفس كلام عن أبي نواس كثير، وما دام الحديث عن مثل أبي نواس لا تستوفيه إلا الأسفار الضخام، فطول المقال وقصره لعمري في ذاك بمنزلة سواء، «والغمر فيه تستوي الأعماق»!
| رجال ينبغي أن يذكروا1
ونقتصر اليوم على ذكر اثنين من هؤلاء الرجال، وهما المرحومان: الشيخ سلامة حجازي، ومحمد أفندي العقاد، ولسنا نعرض في هذا المقال للشيخ سلامة حجازي ممثلا، على معنى أن نبحث عن درجة كفايته من هذه الناحية، ولا أثره في التمثيل العربي، فلهذا مقام آخر، وإنما نعرض له باعتباره رجلا من رجال الموسيقى في هذا العصر الذي نعيش فيه.
وقبل أن نخوض في حديث الشيخ سلامة حجازي نذكر مع الأسف العظيم، أن تاريخ الموسيقى في مصر في العهد الذي انتهى بالحملة الفرنسية فولاية محمد علي مجهول تماما، فليس يدري أحد فيما نعلم، كيف كانت الموسيقى عند المصريين في ذلك الزمن، وكيف كانوا يؤدونها، والنغم التي كانت تتصرف فيها، ومن هم أشهر رجالها، فإن ذلك فيما نعلم، ما لم يستقصه أحد ولم يتتبعه!