ديمقراطية الفنون
قلت لك في بعض هذا الحديث إن فن التلحين وصنعة الغناء للجمهرة إنما كانا محصورين في طائفة قليلة العدد، سواء من هؤلاء أو من هؤلاء، وقد وصفت لك بقدر ما طاوع القلم، براعتهم وقوة تلاحينهم، وهل أدل على براعتها وقوتها من ثباتها وترديدها في هذا العصر عصر «التجديد»، ما يخلق لها على الترداد قديم، ولا يبلى لها على التكرار أديم!
فهل لنا بعد هذا، أن نضيف إسفاف أكثر هذه التلاحين «العصرية» وفسولتها وغثاثتها، وعدم صلاحيتها للقيام، والبقاء على الأيام، إلى استباحة فن التلحين، حتى أصبح يعالجه من شاء، وينتحله من الناس من أراد؟ وبحسبك أن تسكن إلى «الراديو» بضعة أيام لتتعاظمك الكثرة الهائلة في عديد الملحنين في هذا الزمان، فإنك لا تكاد تسمع أغنية من فتى ناشئ أو من فتاة حدثة إلا أذن المذيع أنها من تلحينها أو من تلحينه، أو من تلحين فلان أو فلان أو فلان، من أسماء لا عهد لك بها من قبل، ولعله لا يكون لك عهد بها بعد الآن، حتى لقد تخيل إليك هذه الكثرة أن أهل مصر جميعا، رجالهم ونساءهم، سيصيرون عما قليل ملحنين!
أرستقراطية الفنون
وإذا صح أن العلة في كل هذه البلية التي تجني على الأذواق، وتكاد تحرمها الاستمتاع بالفن الرفيع، إنما هي في إطلاق فني التلحين والغناء يردهما ويعالجهما من هب ومن درج من الناس! أفترانا نذهب إلى القول بوجوب تقييدهما، بحيث يقصر علاجهما على الأكفاء القادرين؟
وبعد، فلقد تعلم أن هذا القصر والتقييد قبيح لما تقدم لك من الأسباب، على أنه لا حيلة فيه، ولا سبيل إليه في عرف هذا الزمان.
ولكنني أرجو ألا يذهب عنك أن الفن نفسه أرستقراطي، لكن بالطبع لا بالجعل، ذلك بأن الفن كما تعلم ابن الموهبة، والمواهب ليست من الحق المشاع لجميع الناس، إنما هي حبس على أولئك الذين يصطفيهم الله لها من الأفذاذ الأندرين من الناس، وهي وحدها التي تنادي على صاحبها وتدعو إليه، وتعلن في الأملاء عن كفايته وسداده ووجوب استئثاره، وتنفض عن صحيح الفن الزيوف، وتدع عن بابه الواغل
2
والدخيل، فالفن بطبعه حبس على أوليائه مهما كثر مدعوه، وعظم منتحلوه، ومهما برعت وسائلهم في التزييف والتدليس على الغافلين! وكذلك سلم بالكفايات الحق لأصحابها على طول الزمان.
وإذا كان يهولنا اليوم كثرة منتحلي فن التلحين وصنعة الغناء مما لا وزن لهم ولا كفاية، مع كثرة من يصغي إليهم ويطريهم، ويخلع كل فخم من الألقاب عليهم، فليس ذلك من أثر «الديمقراطية» الفنية كما يظن عند ابتداء النظر، بل إن ذلك واقع لأننا نعيش الآن عيشا غير طبيعي، وبعبارة أصرح؛ لأننا في ثورة اجتماعية تناولت أسبابنا جميعا، فما نرى من هذا إنما هو من الفوضى لا من الديمقراطية، والفوضى كما تعلم؛ هي استثناء وشذوذ ما له في الحياة الطبيعية قرار.
ولقد قلت في أثناء هذا الحديث: إن الإنسان لا يد له بتغيير ظواهر الطبيعة، ولكنه بلطف الحيلة يستطيع أن يخفف من أذاها، ويستخرج الخير من خلال شرورها، وكذلك يستطيع النقدة بألسنتهم وأقلامهم، أن يدلوا سواد الناس على مكان الحسن ومكان القبيح من هذا الذي نحن فيه، رفقا بأذواقهم ورحمة بهذا الفن الجميل!
| المفتن أبو نواس1
ترى هل بلغ أبو نواس ما بلغ في شعراء العربية، وذهب له ما ذهب من ذكر وصيت لأنه قال في مدح الرشيد:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه
لتخافك النطف التي لم تخلق؟
أو تراه أصاب هذا الحظ كله لأنه قال في مدح ابنه الأمين:
وإذا المطي بنا بلغن محمدا
فظهورهن على الرجال حرام؟
أو تراه حقا «ابن قوله»
2
في مدحته للعباس بن عبد الله بن أبي جعفر المنصور:
لا تسدين إلي عارفة
حتى أقوم بشكر ما سلفا؟
أو لعله قد دوى باسمه السهل والجبل لأنه قال كيت وكيت، فأتى في المديح والهجاء والرثاء، ووصف الجياد والنجاء، بألوان من المبالغات كثيرا ما كانت سبيل السيرورة، ومبعث النباهة وسطوع الصيت؟