هذا هو الواقع، وما أحسب الأمر فيه حبسا على الكاتبين وحدهم، بل لعله متناول سائر من يعانون مختلف الفنون.
وهنا أرجو أن يفهم من كلامي أنني إنما أريد النظم والأسلوب والسياق، وألوانا من التفصيل، ونحو ذلك مما تتجلى به صور الكلام.
وتعليل ذلك ليس بالأمر العسير، فإن المفتن مهما يظن أن موضوعه قد أصبح بعد جولان الفكر وطول التدبر، تام الخلق مكتمل الصورة، بحيث لا يحتاج في نفضها على القرطاس إلى زيادة أو إلى تهذيب، فالواقع أن هذه الصورة مهما يبلغ حظها من النصاحة والوضوح، لا تعدو أن تكون إجمالية يعوزها كثير أو قليل من دقاق التفاصيل، حتى إذا اجتمع لنقلها إلى عالم الحقائق الخارجية - على تعبير أصحاب المنطق - جعلت تسنح له الفكر واحدة بعد أخرى في صور جزئيات، وأحيانا في صور قضايا كلية، وهذه وهذه لقد يبعثها بين يدي القلم وصل فكرة بفكرة، أو التحول من غرض إلى غرض، أو الشعور بحاجة الكلام إلى البسط والتبيين، أو الاستطراد بحكم تداعي المعاني، بما لم يقع للكاتب من قبل في الحسبان، أو غير أولئك مما تتغير به صور المقال، ويجلوه على غير ما تمثل الذهن له من المثال. •••
هذه عادة الكاتبين، ما أحسب أنه يستثنى عليها منهم أحد، وإذا كان هذا غير ما زعمت في صدر هذا الحديث، وإذا كان لا ينتهض دليلا على صحته كله، فلا ريب في أنه قد يهدي إلى تعليله وجه السبيل: ذلك بأن ما يصحب جولة القلم من اتساع آفاق الفكر، والنفوذ إلى بعض الدقائق، وسلوك كثير من الجزئيات، والوقوع على ما لم تتبسط له الفطنة من قبل، وأثر هذا في طبع الكلام، ونزوع سياقه إلى غير منزعه، وتجليته في غير الصورة المقدرة له، أقول: إن ما يكون من هذا في صحبة القلم - أعني ساعة تشمير الكاتب للصياغة وإجراء البيان - من شأنه - مع الزمن وكثرة المعاودة - أن يدخل في وهمه أن القلم مما يرفد ويمد ويعين!
وفي هذا المقام يحسن بي أن أذكر أنني أملي المقال في بعض الحين، وإني لأقوم على هذا ما دام الكلام هينا لينا، حتى إذا تعذر علي القول وتعصى الكلام، أو إذا قدرت أن المقام يحتاج إلى حد الكلام وسطوة البيان، أو إلى تزيين اللفظ وتبهيجه، والتأنق في صياغته ونظمه، أسرعت إلى اختطاف القلم، فاستشعرت القوة وأحسست المدد، وسرعان ما يواتيني مما أبغي من هذا ما لا يواتيني به الجهد في الإملاء!
هذا إلى أن الذهن، كما أسلفت، قد يعيا بالإحاطة، ويضيق عن انتظام جميع جزئيات الموضوع جملة، وربما تواثب عليه من طوارق الفكر ما يشغله ويفرق شمله، ويكفه عن موالاة التصفح والاسترسال، وخاصة في ساعات القلق واختلاج النفس، وقلة استراحتها إلى الاطمئنان والقرار، أما إذا اجتمع الكاتب للبيان، كان مضطرا إلى أن يجمع شمله ويعتنق نفسه، ويرهف ذهنه ويذكي حسه، ويصل كل الوصل ما بينه وبين فكره، ويقطع كل القطع ما بينه وبين غيره، وتراه كلما اطرد في البيان جليت عليه الصور، وتتابعت المعاني وتلاحقت الفكر، فتيسر له وهي متمثلة بين يديه، أن يمد الذهن لتفقدها، وتقري ما عسى أن يعزب من وجوه الرأي عنها، وتبين ما يأتلف منها وما يتناكر، وما يتوافق وما يتنافر، فهيأ له ذلك التسوية ما شاء من خلق الفكرة، وتجليتها في صورتها الكاملة، بقدر ما يدخل في طوقه ويتسع له ذرعه.
لعله قد بان لك بعد هذا، الوجه فيما زعمت من أن الكاتب قد يعيي عليه الفكر ويستصعب عليه الرأي، فلا يرى بدا من أن يعود بالقلم يسترشده ويستهديه مواقع الصواب!
وإذا كنت قد أطلت في هذه المقدمة، فاعلم أن هذا شأني اليوم في علاج هذا المقال.
سؤال يتطلع إلى جواب
وبعد، فإن سؤالا يترجرج منذ أيام في نفسي، وكلما هممت بالارتصاد للنظر في موضوعه، وإشاعة الذهن في أقطاره، والتماس جواب له تستريح إليه النفس ويطمئن به صحيح المنطق، تطايرت عنه شعب هذا الذهن بما يهجم عليه من طوارق الفكر، أو يغمز من أوجاع المرض، أو بما يزحم المرء من هم يعز عليه في بعض الأحوال، أن يجد له مفيضا ومتنفسا، وإني لأصرف هذا السؤال عني صرفا وأدعه دعا، فلا يني عن مطالعتي من أي أقطار الفكر لأن له مدخله، وما برح كذلك يعتادني لا سلطان لي عليه، ولا طاقة لي بكفه والخلاص من طنينه، ولا أنا - وقد عرفت شأني - بقادر على الاستراحة إليه والاسترسال معه حتى أبلغ به ولو بعض ما يريد!