تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن لم يبق بد من جمع الشمل، وحد الذهن، وكف الطوارق عن النفس، واستكراه الفكر على التجرد في هذا المطلب أو يبدو فيه وجه الرأي، ولا يكون هذا، إذا قدر أن يكون، إلا بانتضاء القلم والتشمير للبيان، فعلى هذا نمضي مجتدين القلم، وأكبر الظن أنه لن يجود بجليل!

أما السؤال المذكور بكل هذا فهو: ترى هل من الخير أن تشاع الفنون في الناس وترسل بين أيديهم كافة، يتناولها منهم من شاء، وينقبض عنها من شاء؟ أو أن الخير في أن تكون حبسا على طائفة خاصة، لا يجوز أن يقتحم عليهم شأنهم فيفري فيها فريهم إلا لمن دلت الدلائل على كفايته وتهيئته للتجويد والإحسان، أو على التعبير العصري: هل الأفضل أن تجري الفنون على سنة «الديمقراطية»، أو أن تكون «أرستقراطية» لا يليها إلا طبقة معينة من الناس؟

لقد يتعاظم بعض القارئين أن ينبعث مثل هذا السؤال في هذا الزمن الذي تنتشر فيه «الديمقراطية» وتتبسط بكل قواها حتى تكاد تضغط آفاق العالم جميعا، لا يسلم عليها ما أقامت الأحقاب الطوال من الحدود، ولا ما رفعت التقاليد العاتية من الحواجز والسدود!

واللهم إن ما يتعاظمني من شأن هؤلاء لأعظم، فما كنت لأشير على الطبيعة برأي، أو أتقدم إليها بأمر، أو أسأل خلقا من الناس أن يكفوها عن غايتها، أو يعدلوا بها عن مذهبها، وأين أنا والناس جميعا من ذاك؟! إنما وجه السؤال إلى المفاضلة بين أن تصنع الطبيعة كيت، أو أن تعدل من نفسها إلى كيت، فالأمر لا يخرج عن أفق التمني على كل حال.

على أن الإنسان مهما يكن ضعيفا بإزاء عتو الطبيعة وشدة سطوتها، فإنه لا يعوزه لطف الاحتيال على التخفف من بعض أذاها، واستخراج الخير من أثناء شرورها، وتوجيهها في بعض مذاهبها إلى ما يجديه ويرفه عنه بقدر غير يسير، فإذا كان موضوع اليوم قد عقد للمفاضلة بين «ديمقراطية» الفنون و«أرستقراطيتها»، فما كانت النية في علاجه متجاوزة هذا المقدار.

احتكار الغناء

وبعد، فما حرك هذا السؤال في نفسي ولا أثاره كل هذه الثورة بي إلا ما يروعني هذه السنين من الكثرة الهائلة في عديد من يتكلفون الشعر، والشعر الغنائي على وجه خاص، والكثرة الهائلة في عديد من يتكلفون الغناء للجمهرة، ومن يصطنعون تلحين الأصوات!

وأكبر الظن أن أبناء هذا الجيل لا يستكثرون من ذلك ما أستكثر، ولا يروعهم منه ما يروعني، فلقد شهدنا جيلا قبل هذا كان نظم المقطوعات الغنائية فيه مقصورا على نفر من أعيان البيان أمثال إسماعيل باشا صبري، ومصطفى بك نجيب، ومحمود أفندي واصف، والشيخ الدرويش، وقليل غير هؤلاء، كما كان تلحين الأصوات يكاد يكون كذلك حكرة لعنق من الناس، فلم يكن يعالجه إلا الشيخ المسلوب، ومحمد أفندي عثمان، وعبده أفندي الحامولي، وإبراهيم أفندي القباني، وداود أفندي حسني،

1

فإذا كان وراء هؤلاء من يكابدون التلحين، فهم ولا ريب أقل من القليل.

ولقد عاش المرحومون الشيخ يوسف المنيلاوي، والشيخ محمد الشنتوري، ومحمد أفندي سالم، وعبد الحي أفندي حلمي ما عاشوا، لم يؤثر عن واحد منهم أنه لحن طوال حياته صوتا (دورا) واحدا، إذ كلهم من الأعلام المبرزين بين أصحاب الغناء!

وتعليل هذا ليس مما يحتاج إلى كد الأذهان، فإن هذا الجيل الذي شهدنا أطرافه إنما قام في أعقاب عصر كانت المهن جميعا - وخاصة في أمهات المدن - تقوم فيه على ضرب من ضروب الاحتكار، إذ كان لكل أصحاب مهنة عريف يدعونه «شيخ الطائفة»، فلا يدخل في العادة، أحد فيها يعالج منها ما يعالج أهلها إلا بإقرار هذا «شيخ الطائفة» وإجازته!

ولقد حدثني المرحوم محمد أفندي سالم، وكان من المعمرين، أنه أدرك أياما لم يكن يؤذن فيها لامرئ باعتلاء منصة (تخت) الغناء رئيسا إلا إذا اجتمعت مشيخة أصحاب الفن في حفل جامع، حتى إذا استمعوا لغنائه، وقدروا فيه الكفاية للمهنة، قاموا إليه فحزموه، وقربوا إليه ضغثا من البقدونس فأصاب منه ما شاء! وكان ذلك منهم إجازة له باحتراف المهنة، وأذانا بكفايته لغناء الجماهير! •••

المختار · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٣٥