تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أن يهجم على القطعة من فن غيره فينتزعها انتزاعا، ويمتلخها امتلاخا، على حين لا يتذوقها هو نفسه ولا يسيغها، ولا هي مما يمكن أن يسيغه قومه ويتذوقوه، ومع هذا يأبى إلا أن يستكره استكراها على فنهم باسم التجديد، فذلكم لعمري هو المسخ والتشويه!

سيداتي، سادتي

ليس في هذا اللون من «التجديد» إساءة إلى الفنون، وإساءة إلى الناس بما يفوت عليهم من الاستمتاع بالفنون الجميلة فحسب، بل إن من شأنه أن يبلبل أذواق الجمهرة ويشتتها تشتيتا!

اللهم إن براعة المفتن هي في أن يطبع ما يسنح له بطابع فنه، وينظمه في سمطه، فلا يشوه به الفن ولا يتنكر، بل يظل هو هو، على ما زيد في ثروته، ووسع في آفاقه، ومد له في تلطيف العواطف وإرهاف الأحاسيس، وحسبكم ما صنع المرحوم عبده الحامولي بالموسيقى المصرية، وما كان له في التجديد البارع حقا من أثر بعيد.

وبعد، فإذا كان عندنا بفضل الله، نوابغ أكفاء للتجديد الصحيح في الآداب والفنون، فإن فينا مع الأسف العظيم، من يعبثون أشد العبث بالآداب والفنون، ليظفروا هم الآخرون بلقب «الأبطال المجددين»، وما أرخص الألقاب، إذا كانت لا تنال إلا بمثل هذا الإغراب!

إن بعض هذا الذي تقع عليه أسماعنا وأبصارنا في الفنون والآداب ليس تجديدا، ولكنه مسخ وتشويه، وما ظنكم بمن كل جهده هو محض الإغراب، والإتيان بكل ناب عن الطباع ناشز على الأذواق، وكيف لمن لا يحس شيئا بأن يشعره غيره، وقد قال الأقدمون: إن فاقد الشيء لا يعطيه؟!

هؤلاء رأوا أن فلانا ذهب له صيت وذكر لأنه أتى في الفن بما لم يكن يعهد الناس، فما لهم هم أيضا لا يغربون، واقعا هذا الإغراب حيث وقع، ليذهب لهم كذلك في الفن ذكر وصيت؟ •••

لقد عبرت في صدر حديثي بكلمة «الثورة»، وخشيت أن أكون في هذا التعبير من المتجوزين، فالثورة كما تعلمون، إنما هي الانفجار من أثر فكرة تغلي في الصدر، غليان الماء في القدر، ثم إنها تضطرم وتحتدم في سبيل تحقيق غاية معينة، فهل بعض هذا الذي نرى ونسمع في الأدب والفن كذلك؟ أي أن الفكرة قد ملكت على هؤلاء جميع مذاهبهم، وغلت في صدورهم فثاروا بالقديم، وراحوا يقيمون فنونا جديدة واضحة المعارف بينة الرسوم! أم أن الأمر كله لا يعدو التلفيق من هنا ومن هنا تلفيقا كله تعسف واستكراه، حتى تبدت للفن صورة متناكرة الأعضاء، متنافرة الأجزاء، وذلك في سبيل الإغراب طلبا للظفر كما قلنا بلقب «البطولة في التجديد»؟!

إذا كان الأمر كذلك، فليس ما نحن فيه بثورة، ولا هو من الثورة في كثير ولا قليل، إنما هو الفوضى بأجمع معاني الكلمة، فحذار أيها الإخوان حذار، وإلا لحق الفنون البوار، وحقت عليها «بتجديدكم» كلمة الدمار!

| ديمقراطية الفنون!

ترى أمن الحق الواقع أن الإنسان، وأعني من الأناسي من يعالجون فن البيان، قد يعيي عليه الفكر ويستصعب عليه الرأي في بعض الأحيان، فلا يرى بدا من أن يعود بالقلم يستهديه ويستنديه، ويترسم آثاره، حتى يقع على الرأي، ويبلغ - ولو في تقديره هو - مناط الصواب؟

اللهم إنه ليخيل إلي أن الأمر هكذا، فلو كان هذا حقا لبلغ بادئ الرأي من كل من يطالع به مبلغ العجب، إذ المقدر أن ذهن الكاتب هو الذي يصرف القلم، لا أن القلم هو الذي يصرفه، وأن الذهن هو الذي يوحي إليه، ويملي ما يشاء عليه، إذ كل سداد هذه القصبة إنما هو في الرسم والرقم لا أكثر ولا أقل.

والآن أترقى بالدعوى فأزعم أن الواقع، في بعض الأحيان، هو كذلك، وهو إذا لم يجر في طباع جميع الكاتبين، فإنه يجري في طباع بعض الكاتبين.

على أن من الخلال التي لا ينشز عليها أحد، ولا أظن أن يماري فيها أحد، أن الكاتب مهما يحط بموضوعه، ويتكشف له من قضاياه، ويتمكن من ناصية الرأي فيه، ويظن أن ذهنه قد استوفاه، وتقرى جميع أقسامه ومسائله، حتى يتمثل له في صورة متسقة الأعضاء، متلاحمة الأجزاء، ليس بينه وبين أن يجلوها على الطرس كذلك إلا أن يتفصد بها عليه اليراع في غير جهد ولا عناء، أقول إن الكاتب مهما يخيل إليه ذلك، فإنه لا يكاد يجري بتدوين ما يحضره من الفكر يراعه، حتى يرى هذا الفكر يزيد وينقص، ويتلون ويتشكل، وقد يتحرف ويتحول، وقد يتغير ويتبدل، وقد يميل عن سياقه المقسوم، ويعدل ألبتة عن مذهبه المرسوم، فيخرج في النهاية خلقا غير الذي هيأ الكاتب وقدر، في صورة غير التي سوى في ذهنه وصور!

المختار · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المختارص ١٣٣