2
خفيفة، فأصاب منها يسيرا، فإذا فصحه النهار نهض لرياضته، فمشى ساعتين كاملتين خفيفا يجول في حدائقه الواسعة، ويتجاوزها حتى يطلع على سيف النهر، وهكذا إلى أن يتم نصاب الرياضة.
ولقد كنت أصحبه أحيانا، فإذا مشينا أخذ بأطراف الحديث، فكان حديثه كقطع الروض قد طله الندى.
وانظر بعد هذا إلى دفة هذا الرجل العظيم وكرم شمائله: لقد كان رحمه الله يراني شابا غريبا ليس لي هناك من لداتي من آنس بهم، وأستريح بألوان السمر إليهم؛ فيأبى - على جلالة محله - إلا أن يتبسط معي في فنون القول، فيقص علي نوادر من حضرهم من مشيخة الأدباء، أمثال المرحومين الشيخ القوصي والشيخ علي الليثي ، ويروي الطريف من أشعارهم وأزجالهم، وأجل ما انتضحت به قرائحهم في محاضراتهم ومناقلاتهم؛ فتزول وحشتي، ويغمرني الأنس، حتى لأحسبني في مجلس رفقة من الشباب الفاره، وهو على هذا ما يبرح حدود الواجب لسنه ووقاره وتاريخه الجليل، وبذلك أيضا استدرجني لمسامرته والتسرية عنه بما يحضرني من ملح ونوادر وأفاكيه، مما لا ينشز على مثل مجلسه الكريم.
وما برحت له في تلك السن فطنته القوية، وعينه العالية، واتصال ذهنه من الأسباب العامة بكل دقيق، فكان إذا جاء البريد بالصحف السيارة قرأها بنفسه واحدة بعد أخرى، حتى يأتي عليها جميعا، وكان قد اعتزل السياسة، ولكنه لم يستطع أن يعتزل الرأي، فإذا وقع له في إحدى الصحف حديث لا يرى للبلد فيه خيرا صاغ الكلام في صورة استفهام يريك ظاهره أن الأمر لا يشغله ولا يعنيه، فإذا فتشته أصبت فيه كل صدق الرأي وكل حكمة الحكيم.
وقلت له ذات يوم: ألا تهبط يا باشا مصر فتقضي في «ذهبيتك» أياما كسابق عهدك؟ فرأيت الدمع يترقرق في عينيه، وقال: ومع من أجلس يا بني؟ لقد مات قرنائي وأصحاب عمري، فأنا لا أجدني في أبناء هذا الجيل إلا غريبا!
وإليك مثلا واحدا من شفقته بولده، وشدة عطفه عليهم، وإيثاره لهم: دعوت له مرة - وقد جرى حديث الصحة والمرض - بطول العمر ودوام العافية، فانتفض انتفاضة شديدة، وقال: لقد كنت أحسبك يا فلان تحبني! فدهشت من هذا السؤال، وقلت له: وكيف رأيتني يا باشا لا أحبك، وأنا أدعو لك بطول العمر ودوام العافية؟ فقال: بل ادع لي بأن يلحقني الله عاجلا بالدار الآخرة، فلا يمتد بي الأجل حتى أشهد مكروها في ولد من بني أو في أحد أبنائهم.
3
الله أكبر! ...
سيذكرون في نعي محمود باشا سليمان إيثاره لبنيه، فلقد خرج لهم حيا عن كل ما ملكت يمينه، وما دروا أنه آثرهم بما هو أعز من المال، لقد آثرهم بالحياة!
| والرجال قليل!1
راغب بك عطية
2
إلى صديقي محمد راغب بك
وا رحمتاه لك: لئن فقد الناس بالأب واحدا لقد فقدت فيه أيها الحزين الواله اثنين: أبا وأخا معا: أبا يكاد من حدب يخلع شغاف قلبه على وليده، ويعتصر من الحنان كبده ليفيضه على طفله وحيده، ولو تهيأ للأجسام أن تتبخر لاستحال جثمانه عطفا عليك، وترقرق في الأثير حنانا إليك.
وإذ تستوي في الدنيا فتى لا يراك إلا أخا يماده أوثق أسباب الإخاء، وصديقا يصفيه أحلى علائق المودة والولاء.
وحين تعلو به السن، ويلحقه الوهن، وتتداخله الأسقام من كل جانب، لا يتمثل فيك إلا الأب يعوذ به ولده كلما أدركه العجز أو أصابه المكروه من أي ناحية، فكنت للوالد البر: الوالد العطوف الحنان، فقارضت عطفا بعطف، وبادلت برا ببر، وقضيت الدين خير القضاء، ووفيت الحق وأغليت الوفاء.
ولقد مضى أبوك، وما أحسبه وهو متقلب في رضوان الله إلا راثيا لشانك، حزينا لبكائك وأحزانك، حتى ليصح فيكما قول الشاعر:
لو كان يدري الميت ماذا بعده
للحي منه بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسه
ويكاد يخرج قلبه من صدره
وا رحمتاه لك! إن عذابك لأشد من كل عذاب، وإن مصابك لأجل من كل مصاب.