حسب الناس إذ رأوك أن سنة الحياة قد تبدلت في الخلق، وأن النبوغ جميعه يمكن أن يتهيأ للمرء في فجر العمر، وما دروا أن نفسك العبقرية هي التي كانت تطير في العمر حتى تناولت آخره، فمت شيخا وأنت بعد في ميعة الصبا وباكورة الشباب.
لقد قضيت أيامك القصار الطوال، في حرب مع المنية ونضال، فما صارعت في حماك مريضا إلا صرعتها، ولا قارعت بين يديك عليلا إلا قرعتها، حتى أصابتك من مأمنك، وعمدت إليك في المعركة وأنت تستخلص من لهوتها نفسا فرمتك بتلك اليد العسراء، فرحت الشهيد الكريم شهيد العلم والمروءة والوفاء.
لقد رماك الدهر بالأرزاء يافعا ، فاضطلعت بحملك الثقيل صابرا، ومضيت لطلبتك العظيمة في الحياة، تقتحم إليها العقبة بعد العقبة، ضاحك السن، طيب النفس، حتى إذا جزتها كلها، وانطلقت الآمال تهيئ لك ذلك المكان الرفيع الذي يعتليه المقاديم النابغون، إذا بيد القدر قد سبقت فمهدت لك هذا المضجع في جوانب القبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لهفي عليك! أي عين لم تدمع، وأي نفس لم تجزع، وأي كبد لم تتصدع، وأي يقين لم يتزعزع؟
لقد كان يدعى لابس الصبر حازما
فأصبح يدعى حازما حين يجزع
تلك حيلة الناس في عزائك، لو كان يلتمس في مثل رزئك السلوان، فاللهم أفض على عيوننا من الدمع بقدر ما يشب في قلوبنا من لوعة أسى، ويذكو في صدورنا من حرقة جوى، فتلك على «ضيائي» نعمة الصبر والعزاء.
يا من خلقت الدمع لط
فا منك بالعبد الحزين
بارك لعبدك في الدمو
ع فإنها نعم المعين
| محمد بك أباظة1
من شاء أن يعرف الصرح كيف يتهدم، والطود كيف يتحطم، والجمال كيف يحول،
2
والزهر كيف يلحقه الذبول، والبدر كيف يدركه الأفول؛ فهذا مصرع محمد بك أباظة فيما دون ردة الطرف، لقد كان مصرعه آية من آيات الله على أن القوة لله جميعا.
كان محمد شديدا في عقله، شديدا في ذكائه، شديدا في خلقه، شديدا في خلقه، شديدا في صراحته، شديدا في وفائه، يرى أن أسباب الحياة دون أن يستخذي لها، فكان لا يصيبها إلا قوة وغلابا، لا ورعا
3
في إقدامه ولا هيابا، حتى إذا جاء أمر الله تلقاه مطيعا، ومضى إليه سريعا، لم تغن عنه قوته كلها فإن القوة لله جميعا.
لقد ضننا بك يا محمد على الموت، وضن القدر بك على الحياة، فلم يكن ما أردنا ولكن كان ما أراد الله.
وا رحمتا لك: أهكذا تهوي البدور، أهكذا تغيض البحور، أهكذا تزلزل شم الجبال، أهكذا يخترم غطاريف الرجال، أهكذا تعدو المنية على ذخيرة أمة وعدة آمال؟
وا حسرتا عليك: يطويك الردى أكمل ما تكون بدرا، أفكرهت فسحة العيش خشية أن يدركك السرار، ولمصر فيك أوطار كثار: أم هكذا جرى على مصر حكم الأقدار، فلا ينجم فيها فتى إلا عاجلته بالتلف والبوار؟
لقد أتعبت الوسائل في خطبك، فجللت على الرثاء، وتعاظمتني فيك أسباب العزاء، ولو كان منك عوض لاطمأن الصبر على فقدك إلى جزاء.
فاللهم رفقا بالبلاد، واللهم لطفا بالعباد، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لموتك يا محمد لمحزونون.
| محمود باشا سليمان1
قضى محمود باشا سليمان فطويت صحيفة حفيلة بالعظائم في تاريخ مصر الحديث، وليست تتسع مثل هذه «اليوميات» لترجمة مثل هذا الراحل العظيم الذي كان آخر عهدي برؤيته غاية ربيع سنة 1923، وإني لمحدثك عنه في هذا العهد حديثا يسيرا ما كنت لأفضي منه بما يتصل بولده وهو ثابت في الحياة.
كنت مفتشا في وزارة الحقانية سنة 1923، وبدل الحكم غير الحكم، ورأت الوزارة الجديدة، لسبب لا أعلمه إلى هذه الغاية، أن تقصيني إلى أسيوط، حيث ولتني عملا تافها أشبه بلا عمل، فكنت أتحين أيام الفراغ من الأسبوع فأقضيها عند محمود باشا سليمان في ساحل سليم.
وكان رحمه الله ينام مبكرا، ويهب من نومه في السحر، فيتوضأ ويتهجد إلى أن ينصدع الفجر فيقوم لصلاته، فإذا ختمها أخذ في ذكر الله تعالى من تلاوة قرآن، إلى أوراد مشهورة، وأدعية مأثورة؛ حتى إذا بلغ من هذا ما شاء الله أن يبلغ قربوا إليه لمجة