لست أسأل لك يا صديقي اليوم سلوا، فهيهات لي أن أطلب المحال، ولا أسأل أن يرقا دمعك، فالله تعالى أرأف من أن يكظم هذا الأسى كله في صدرك، فإن جمود العين في مثل ما أنت فيه من العي بالبكاء، وهو أشد من عي اللسان بالكلام، بل إني لأدعو الله أن يفيض شئونك حتى يروح عن هذه الروح المجروحة، ويفرج عن هذه الكبد المقروحة.
لم يخلق الدمع لامرئ عبثا
الله أدرى بلوعة الحزن
وهكذا الدنيا، ما سقت حلوا إلا أعقبته مرا، ولا بسطت عرفا إلى وهي تطوي فيه نكرا! فكل ما تقلبت فيه من ذلك الحنان العذب، لقد بات ذكرى تخز الكبد وتحز في القلب، كان الله في عونك يا أخي، فما يصبر أحد على ما تجد، إلا بعون من الله ومدد. •••
أما المصيبة في أبيك رجلا عظيما شأنه، جليلا في البلاد خطبه، فهذه تتقسمها الأمة كلها ، لا تستأثر بها وحدك، فلقد كان رحمه الله رجلا حق الرجل: سعة علم، ووثاقة حلم، ونصاحة رأي، وشدة عزم، وسلاسة طبع، جم التواضع، فإذا ما دعا داعي الكرامة، كان أشمس من أسامة.
3
وحسبك عزاء فيه أن عاش كريما وفيا أبيا، وهذا تاريخه الضخم يتألق فخرا، وتعتد سيرته في البلاد عدة وذخرا.
وصل الله في عمرك، وأدام منك أفضل خلف لأفضل سلف، والسلام عليك ورحمة الله.
| أحمد عبد الوهاب1
طوى الجزيرة لما جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
من كان يظن أن يذوي الغصن إبان إيراقه، وأن يذبل الزهر ساعة إشراقه، وأن يسرع البدر ليلة التمام إلى محاقه؟
أي حسن لعمري، وأي جميل، وأي كريم في هذه الدنيا لم يكن لأحمد عبد الوهاب؟
هذا الشباب الناضر، وهذا الحظ المواتي الحاضر، وهذا الأيد والقوة، وهذا أسر الفتوة، وهذا العقل الراجح، وهذا الذهن الواضح، وهذا المنطق الناصح، وهذه النفس الوضية، وهذه الشمائل الرضية، وهذا النظر البعيد، وهذا الرأي السديد، وهذا العلم والفضل، وهذه السماحة والنبل، وهذه الكفاية التي دوت بها السهول والجبال، وستتغنى بها الأجيال بعد الأجيال.
هذا كله أحمد عبد الوهاب، وهذا كله لقد دس وا لهفتاه في التراب!
ما حسبت ساعة طلع علي الخبر إلا أنه مزحة بغيضة، وإذ هو وا حسرتاه أبغض مزحات الموت جميعا!
لئن كانت حياتك عجبا من العجب، لقد كان موتك يا عبد الوهاب أعجب العجب! السبل ممهودة، والوسائل موصولة ممدودة، كل شيء في انتظارك، وكل عظيم من الأمر في تنسم أخبارك، قم يا عبد الوهاب وشمر، وأصلح وعمر، وثمر ما شئت أن تثمر، فلقد طالما ضربت على صدق العزم أبلغ الأمثال، وأريت الشباب أن من الشباب من لا يعرف المحال!
تعال يا عبد الوهاب! فمصر الناهضة لطلاب المجد في أشد الحاجة إلى أمثالك، وأمثالك في مصر قليل، وانهض من مطالبها بعبئك وعبئك منها ثقيل.
تعال يا عبد الوهاب! فقد آن لمصر أن تعتز بما لها من المفاخر، وآن لها أن تعتد بما فيها من الذخائر، انظر كيف ترى الآمال بك معقودة، والعظائم في ترقب طلعتك مجموعة محشودة؟ أقدم أقدم! فما عودت مصر الإحجام، في ساعة الجلى ولا في حد الصدام.
ما لك لا تجيب؟ أحقا لقد عدا الموت عليك، وإنها لجناية على البلد جميعا؟
أهكذا تأفل الأقمار، أهكذا تغيض الأنهار، أهكذا تيبس الروضة المعطار، أهكذا يعدو ظلام الليل على وضح النهار؟ وما أجدر مصر أن تقول في منعاك:
كنت الشبيبة أبهى ما دجت درجت
وكنت كالورد أزكى ما أتى ذهبا
طلعت لي قمرا سعدا منازله
حتى إذا قلت يجلو ظلمتي غربا
يا عمر الورد: لقد كنت حلما من الأحلام، لولا ما تحدثتا به آثارك الضخام!
يا علما تنكس، ويا سيفا تثلم، ويا أملا تحطم، ويا بنيان قوم تهدم!
وما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما
لقد عظمت مصيبة مصر فيك، أحسن الله لها العزاء، وأوفى لها الجزاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.