ولكن طاهيه قرب مرة لضيفانه بعد رأس الطعام صفحة من الفاصوليا الخضراء مباشرة! أليس هذا عبقرية تستحق كل إعجاب وإطراء؟!
سبحان من أودع كل قلب ما شغله، وإذا كان قلب وجيه باشا مشغولا بأشياء وأشياء، فإن قلبه من شئون الدولة كلها هواء.
يهرول في الصغير إذا رآه
وتعجزه مهمات كبار
وقد نسيت أن أذكر لك أن للباشا شاربا لبقا هو الآخر، ظريفا، دائم التشكل والتكيف بحسب «آخر مودة» فتراه مرفوعا ومرة مخفوضا، وتارة مفتولا وتارة منقوضا، وآنا مرسلا وآنا «مكويا»، وحينا مستقيما وحينا ملويا، وأسود يوما ويوما أغبر، وأصفر طورا وطورا أحمر.
ولا نحب أن نتر الرجل حقه، فقد أحرز إجازة الحقوق - ليسانس - في غير عسر ولا تأخر في الطلب، ثم دلف إلى مناصب القضاء فرقي في درجها واحدة بعد واحدة معروفا بالاستقامة والنزاهة والنشاط وعدم الميل مع الهوى، وزامل ثروت باشا في نشأته كما زامله في بعض المناصب التي تولاها، وفي النهاية عين مستشارا في محكمة الاستئناف المختلطة. فكان خير مثال للكفاية والاستقامة؛ فمستشارا ملكيا. وهنا بدأ القلق يدب إلى حظه من التوفيق في مناصبه الحكومية.
وإذا كان قد نفض عن القضاء جملة وقلد منصبا سياسيا «وكالة الخارجية» وبخاصة في العهد الحاضر - عهد المسئوليات الكبرى - فلم يتمكن منه تمكنه من منصب القضاء فليس الوزر عليه هو، ولكن على من أخطأهم فيه التوفيق!
| حافظ إبراهيم بك
وجاءت نوبة صديقي حافظ في «المرآة»، ولم تغن عني المطاولة، ولا كثرة الدفاع، كذلك حتم أصحاب «السياسة الأسبوعية»، وبذلك جزم القضاء:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
إذن، سأجلو حافظا في هذه «المرآة»، وأرمي فيه بالقول، وإذن سأدخل في الورطة وتحق علي الكلمة في كل حال! ويح نفسي من عنت أهل العنت من القراء، فإنني إن قلت فيه خيرا قالوا: شهادة صديق لصديق، فهي متهمة مهدرة، وإن قلت شرا قالوا: ما أنكره للود وما أكفره!
وما لي لا أعوذ من ألسن هؤلاء بالحق، فالحق أجدى من مصانعة هؤلاء. وعلى هذا، فإني سأطلق كلمة الحق في صديقي حافظ، وأعوذ بالله تعالى أن يلحقني فيه قول ذلك الحكيم: «إن قول الحق لم يدع لي صديقا.» ولا تنس بعد هذا يا سيدي القارئ مبلغ ما يضحي به الكاتب المسكين في سبيل رسالة يؤديها قلمه إليك لتلهو بها خمس دقائق أو ستا، وهو لا يطمع منك في أكثر من أن تقصد في حكمك، وتترفق في نقدك وشتمك، والتضحية في هذه المرة ليست بجسم يتعب، ولا بمال يغصب، ولا بقلم يغلب، ولا بسب يجلب، إنما هي باستهداف ود دام إحدى وعشرين سنة للجلجلة بله الزوال، وهي كانت متن الصبا، وهي كانت نضرة العمر، وهي هي الذكرى الباقية لحلو الحياة لمن أبرمه مر الحياة!
فإن لم تك «المرآة» أبدت وسامة
فقد أبدت «المرآة» جبهة ضيغم
ما لي قد غشيني من هذه العواطف المحزونة الوالهة، حين عرض لي اسم حافظ ما لم يغشني قبل لاسم إنسان؟ وفيم كل هذا ولعلي لا أصيب في صديقي إلا خيرا! حقا، إني لأخشى أن أكون اليوم مريضا، وأن الأمر كله من لوثة الأعصاب. فإن كنت معافى صادق الوزن، فإنني أرجو أن يكون صديقي حين تقع له هذه المقالة معافى، متزن الأعصاب. •••
حافظ إبراهيم شاعر، فهو يحب الجمال ويجتمع له، ويكره القبح وينعى على أهله، يجابه بذاك مجابهة، لا يتقي في القول ولا يتحرف، وما إن طلع عليه فتى دميم الخلق، غير مستوي معارف الوجه إلا قال له: يا فتى، ليس الوزر عليك بل على أبيك لأنه لم يؤد مهرا! وإذا اطردت نظرية حافظ، فلا شك في أن المرحوم والده تزوج على الطريقة الإفرنجية فلم «يدفع» مهرا، بل هو الذي أخذ «الدوطة».
جهم الصوت، جهم الخلق، جهم الجسم، كأنما قد من صخرة في فلاة موحشة، ثم فكر في آخر ساعة في أن يكون إنسانا، فكان «والسلام»! أما ما يدعى فمه فكأنما شق بعد الخلق شقا، وأما عيناه، فكأنما دقتا بمسمارين دقا. وأما لون بشرته، والعياذ بالله، فكأنما عهد به إلى «نقاش» مبتدئ تشابهت عليه الأصباغ والألوان، فداف أصفرها في أخضرها في أبيضها في «بنفسجيها»، فخرج مزجا من هذا كله لا يرتبط من واحد بسبب، ولا يتصل بنسب. وإنك لو نضوت عنه ثيابه وألبسته دراعة من دونها سراويل، وأفرغت عليه من فوقها جبة ضافية، وتوجته بعمامة عظيمة متخالفة الطيات، لخلته من فورك دهقانا من دهاقين الفرس الأقدمين! فإذا جردته كله وأطلقته في البر حسبته فيلا، أو أرسلته في البحر ظننته درفيلا! ولكن! ولكن اكشف بعد هذا عن نفسه التي يحتويها كل ذلك، فلا والله ما النور بعد الظلام، ولا العافية بعد السقام، ولا الغنى بعد البؤس، ولا إدراك المنى بعد طول اليأس، بأشهى إليك، ولا أدخل للسرور عليك من هذا حافظ إبراهيم!