خفيف الظل، عذب الروح، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع النكتة، بديع المحاضرة، إذا كتب لك يوما أن تشهد مجلسه، أخذك عن نفسك، حتى ليخيل إليك أنك في بستان تعطفت جداوله، وهتفت على أغصانه بلابله، وأشرق نرجسه وتألق ورده، فأذكراك طلعة الحب: تانك عيناه وهذا خده! وتنفس فيه النسيم بسحر هاروت، فأعجب لمن ينشره هذا النسيم كيف يموت! والبدر في ملكه بين المجرة والجوزاء، يخلع على الروض حلة فضية بيضاء، فلا تدري أأمست السماء في الروض، أم أمسى الروض في السماء؟
ولم أر قط رجلا أسرع منه حفظا ولا أثبت حافظة، ولقد تقع له المقالة الطويلة أو القصيدة الضافية، فترى نظره يثب فيها وثبا حتى يأتي على غايتها، وإذا هو قد استظهر أكثر جملها، أو أبياتها إن كانت قصيدا، وإذا هي ثابتة على قلبه على تطاول السنين. كذلك لم أر قط رجلا اجتمع له من متخير القول ومصطفى الكلام مرسلا ومقفى مثل ما اجتمع لحافظ إبراهيم، فكان حقا له من اسمه أوفر نصيب. وإذا كنت ممن يجري في صناعة الكلام على عرق وهيئ لك أن يحاضرك حافظ في الأدب، لصب على سمعك عصارة الشعر العربي، وأبدع ما انتضحت به القرائح من عهد امرئ القيس إلى الآن. ويمكنك أن تعد بحق حافظا أجمع وأكفى كتاب لمتخير الشعر العربي عرف إلى اليوم. وليتهم، إذ يشرف على السن، بدل إحالته على المعاش يحيلونه على أحد «دواليب» القسم الأدبي في دار الكتب، إذن لعصموا عليها ذخيرة هيهات أن تعوض على وجه الزمان.
وإذا أردت أن تتعرف لون شعره، وإلى أي واد من أودية الكلام ينتسب، فارجع إلى أكثر ما يهتف به ويردده من شعر من قبله من الشعراء، وإنه في هذا الباب ليؤمن قبل كل شيء بالصنعة والديباجة ونسج الكلام، وما بعد هذا عنده ففضل. وهو يرى، ولقد يرى معه كثير، أن جلال الشعر وبهاءه ليسا في التعليق بدقائق المعاني وإن تزايلت من دونها الألفاظ، وأن أدق المعاني وأجلها لقد تقع للدهماء في حوارهم ومنازع كلامهم، أما إشراق الديباجة وفصاحة القول وتلاحم النسج ورصانة القافية فذلك الشعر. أليس يبهرك ويروعك ويشيع فيك كل الطرب قول البحتري مثلا:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا
مقصرا في ملامة أو مطيلا
لم يكن يومنا طويلا بنعما
ن ولكن كان البكاء طويلا
وقوله:
وقفة بالعقيق نطرح ثقلا
من دموع بوقفة في العقيق
وقول الشاعر:
يا ليت ماء الفرات يخبرنا
أين تولت بأهلها السفن
وقول الشاعر العربي:
فسائل بني جرم إذا ما لقيتهم
وسعدا إذا حجت عليك بنو سعد
فإن يخبروك الحق عني تجدهم
يقولون أبلى صاحب الفرس الورد
وغير هذا من رائع الشعر ما لا يتناوله الحصر.
وبعد، فأي معنى في مثل هذا يرتفع على ما تبتذل به العامة في أحاديثهم وأسمارهم وفنون مناقلاتهم! إنما خطره كله في لطف الصياغة وشدة القول وقوة الأسلوب، ولو قد ذهبت تؤدي بلغة أخرى أفخر ما نظم البحتري وأبو تمام وأضرابهما من أعيان الشعراء ما خرجت من ذاك بجليل، بل لو أنك تعمدت أبلغ ما قالوا فنقضت غزله ونثرت نظمه، ما عدا أن يكون كلاما من أوسط ما اعتاده الناس من الكلام!
هذا رأي حافظ في الشعر، وتلك أيضا صورة من شعره! مشرق الديباجة، جزل اللفظ، صافي القول، محكم النسج، رصين القافية، ترى معناه في ظاهر لفظه، فإذا أقبل عليك ينشدك من شعره، أبصرت البيت يستشرف وحده للقافية استشرافا حتى لتقبض عليها بذهنك قبل أن ينطق بها حافظ إبراهيم.
وحافظ، كما أسلفت عليك، مؤمن كل الإيمان بالصنعة، ولقد يسنح له المعنى الدقيق فيحاول أن يشكه بالقريض، فإن أصابه في غير قلق ولا إعنات للفظ أو إخلال بقوة النظم، وإلا صرف لغيره وجه القريض، ولربما أصاب المعنى الرفيع فيسره للنظم تيسيرا، حتى يخيل لك، إذ تتلوه، أنك في كلام من جنس سائر الكلام!
وهو، كما حدثتك، حاضر البديهة، رائع «النكتة»، يتعلق فيها بأدق المعاني في جميع فنون القول، فلا يحتويه مجلس إلا رأيته يتنزى تنزيا من ضحك ومن طرب ومن إعجاب، وهو كذلك شديد الفطنة، حلو الملاحظة، لا يكاد يعرض لسمعه أو لبصره شيء إلا وجه عليه رأيا طريفا يصوغه في «نكتة» عجيبة قد تستقر على سطوح الأشياء، وأحيانا تتغلغل إلى الصميم حتى تتكشف الأيام منها لا عن طرفة متطرف ولكن عن رأي حكيم! وهو لا يتحامى في تطرفه ولا يتحرج، فتراه يقتحم عليك بتندره كل مداخلك أنى سنحت له اقتحاما، فيصيب من خلقك ومن ثيابك ومن أثاث بيتك ومن طعامك، على أنه في كل هذا مرضيك ومؤنسك وباسط أسارير وجهك إن لم يفرج بالضحك من ثناياك، فأما إذا كنت رجلا ضيق العطن متزمت النفس، فلا خير لك في مجلس حافظ إبراهيم.