تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو كان لي من الأمر شيء لدعوت بشركة «حافظ رمضان - عبد الحميد سعيد أخوان» فخيرتها أمرين: إما ترك التغالي في الاستجوابات والعوض على الله، ولو مؤقتا، في الملحقات، وإما أن تتولى الوزارة، وعندها مهلة شهرين لتجيء فيها بالنيل من منبعه إلى مصبه، والملحقات وملحقات الملحقات، والجلاء الكامل بلا مساومة، ولا مفاوضة، «وكمان» بلا اتفاق، على شرط أن تؤخذ عليها التعهدات بعدم «حططان الكتف» على أوروبا وقت الأزمات!

| إبراهيم وجيه باشا

طويل، ضافي الجسم، متراخي الأطراف، تتسرح العين منه في منظر غير مؤتلف ولا متسق، وبعبارة أخرى إن عينك لا تكاد تسقط عليه حتى تشعر بما بين خلقه وبين «قيافته» من سوء التفاهم! فهو شديد العناية بهذه «القيافة». وهو لا يعنى بشيء من مظاهر الدنيا عنايته بها. وإنه ليخيل إلي أنه يطوي عامة ليله وصدرا من نهاره في مطالعة مجلات «المودة» ونشرات «الشيك»، وكلما سقط فيها على طريف أسرع إليه فتجمل به وتأنق، وتحلى به وتألق: فمن خواتيم تلمع في الخناصر والبناصر، من شتى الألوان في شتى الجواهر. ومن رباط للرقبة - كرافات - تحتار العين في أزرقه وأسوده وأحمره، وأبيضه وأخضره وأصفره؛ حتى كأنما قد من أنوار بستان، ففيه من كل زهرة زوجان، تجري كلها في مذاهبها حتى تلتقي عند لؤلؤة بيضاء، أو زمردة خضراء، أو ياقوتة حمراء، فكأن هذا «الدبوس» من تلك الألوان، ملتقى العشاق ومجتمع الخلان. ومن حلة محبوكة؛ «محذقة» مسبوكة؛ كأنما موه بها جلده تمويها، فإذا تبدى لك فيها حسبته عاريا وهو كاس! إلى حذاء، وناهيك بهذا الحذاء! ليس يتخذ الباشا حذاءه من مصر كلها، ولا من أفريقيا أجمعها، ولا من كل ما يدلى من سلع الغرب إلى الشرق، بل إنه ليفصل له تفصيلا من مصنع

Lob

الشهير في لندن، وثمن الزوج، على ما يروي الباشا نفسه، تسعة جنيهات إنجليزية «طبعا». أما الحذاء نفسه، كما شهدناه، فدقيق لطيف، رقيق خفيف، قاس، على نعومته، شديد القسوة حتى ليأبى إلا أن يخرج أسيرته - رجل الباشا - صغيرة دقيقة هيفاء!

فإذا أنت ارتفعت بالنظر إلى طرفه الآخر رأيت على رأسه طربوشا طويلا ضيقا أيضا، على أنه - ولله الحمد - على رأسه متسق مسبوك!

وهو يميله دائما إلى ناحية من رأسه فيصور لك من فضل جبينه زاوية لا أدري مقدار حظها من الهيبة أو الجمال!

ولو تمثلته وقد بعد ما بين كتفيه، وتقارب ما بين كشحيه، وما يزال يتقارب في منازله إلى مستدق حذائيه، لرأيت منه مخروطا معكوسا، أو على الأصح قمعا مكفوءا!

على مفوضينا وقناصلنا في جميع أقطار العالم موافاتنا تلغرافيا بآخر «مودة»!

قلت لك في صدر هذا الحديث إن بين خلق وجيه باشا وبين «قيافته» افتراقا وسوء تفاهم، وأكر على هذا الآن فأقول لك: إنه مع كل هذا التأنق، وكل هذا التجمل، وكل هذه النفقات، وكل هذه التكاليف، لا يزيدك في مرآه على أميرالاي في المعاش! •••

وإبراهيم وجيه باشا رجل طيب القلب لا يصدر عن أذى ولا يصدر عنه أذى، متواضع النفس، متواضع التفكير. لقد أصبح في الواقع وكيلا لوزارة الخارجية في الدولة، ولكن أدبه وتواضعه لا يطاوعانه قط على الترافع إلى هذا المعنى؛ وإنهما ليغضان حتى من تفكيره في مقتضيات ذلك المنصب الرفيع!

إنه لرجل متواضع حقا في كل شيء! ولو أنك داخلته مهما داخلته، ولابسته مهما لابسته، لا يمكنك أن تحس منه أي اعتداد بالنفس يشعرك أنه أصبح وكيلا لدائرة، فضلا عن أنه أصبح وكيلا لوزارة خارجية الدولة نفسها. وأيسر الدلائل على هذا موقفه العتيد في مجلس النواب يوم ثار حديث «بيوت هوس» وما اقتضى خزينة الدولة من نفقات جسام.

وهو كذلك رجل متواضع الحديث، لقد يستغرق المجلس بالحديث عن نفسه لا عن مركزه في الحكومة، ولا عما يعتري الدولة من مشاكل ومتاعب في جغبوب، ولا مما يراد من فرض امتيازات لإخواننا الشوام أيضا في مصر، بله المفاوضات المقبلة في تقرير مصير الدولة - بل إنما يحدثك عن المفاوضات المقبلة بينه وبين طاهيه. وإن له لطاهيا عظيما، وإن طاهيه لعبقري؛ يصدع بعبقريته حدود الفن، أليس الطهاة جميعا يقربون، يوم الوليمة إلى الضيفان، «البامية» بعد رأس الطعام «الحمل أو الدندي أو السمك؟»

في المرآة · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ٢٩