وجه مصطفى ووجه فريد. كلاهما لازم لوقت «الشغل» فقط.
الحق أني لو كنت في موضع حافظ رمضان بك لكانت مهمتي أشق مهمة رجل في العالم، على أن حافظ بك يضطلع بها في غير كلفة ولا عناء! وللعظيم العظائم. •••
ومحمد حافظ رمضان ابن المرحوم حافظ بك رمضان، وكان رجلا منقطع النظير في العلم المالي يوم لم يكن لمصري في هذا الباب خطر، وكانت أعظم المصارف الأجنبية بالضرورة، ترجع إلى رأي حافظ بك في أدق مسائل الفن وأبعدها أثرا.
وأنجب عدة أولاد، وأحسن تأديبهم وتعليمهم، فخرجوا جميعهم رجالا ممتازين، فيهم القاضي وفيهم المحامي وفيهم الجندي، وها أنت ذا ترى أحدهم، وهو الذي نعقد له هذا الحديث، في كبار المحامين ورئيس حزب جليل الشأن في البلاد.
نعم، لقد بانت مواهب حافظ من يوم درج لطلب العلم، وما برح يبرع فيه أقرانه حتى أحرز إجازة الحقوق - ليسانس - وأقبل على المحاماة مجدا أمينا حتى تمت كفايته، وبعد فيها صيته ولما يزل بعد في فوعة
1
الشباب، يعينه فيها علم غزير، وعقل شديد، وبديهة حاضرة، وحجة قاهرة وبلاغة ساحرة. كل أولئك في صوت كأنما تختلج به أوتار عود. وكذلك كان حافظ بك خطيبا رائعا جليلا .
وقد اتصل من صدر أيام الشباب بفقيد الوطن المغفور له مصطفى كامل باشا، وظل معه إلى أن قبض إلى رحمة الله، فكان شأنه كذلك مع المغفور له فريد بك، إلى أن شطت به النوى، فما برح هو كذلك موصول الاسم بالحزب الوطني، حتى اختير له رئيسا.
ومما يذكر له في هذا الباب، أنه كان دائما شديد التوافي لأساطين الأحزاب الأخرى حتى في الأوقات التي كان السيد وفيق يرميهم بالمقذعات في جريدة الحزب من غير حساب!
ولقد يبدو لك حافظ رمضان بك كسولا لا يحب أن يجشم نفسه من الأمر جليلا، على أنه إذا جد الجد، كان أنشط من الكوكب السيار!
ومن أعجب ما يؤثر له من هذه الناحية، أنه قد بدا له في صيف العام الماضي، إذ هو في أوروبا، أن يتسلق قمة جبال الألب
Mont Blanc ، وعبثا يحاول صدقانه
2
أن يصرفوه عن هذه النية، والعبث بالعروج إلى قمة الألب إنما هو ضرب من العبث بالحياة نفسها. ويجمع حافظ همته وعناده معا، ويخوض مهاوي الموت خوضا، حتى يبلغ غايته، ثم يتدلى عن قمة الجبل «بالسلامة»، والموت خزيان ينظر! ويظفر بتلك الشهادة - شهادة المعراج إلى قمة الألب، ولم يظفر بها من المقاديم إلا قليل، فكان أيضا حق
Sport ، رغم ما يرمى به من فرط الكسل وشدة الخمول!
وهو شديد الولع بالشطرنج، حتى لقد يجلس إلى رقعته خمس ساعات متواليات لا يلحقه فيها ضجر ولا يتداخله سأم.
ولقد يظل طوال هذه المدة وفم «الشيشة» في فمه، أو فاغرا فاه، فلا تسمع منه إلا تنغما يهمس به أحيانا، أو «كش مات» في غاية كل دست ينعقد له فيه الظفر!
وبعد، فلا أدري أكان حافظ رمضان بك في قرارة نفسه، ومطاوي حسه، شاعرا يحلق في أجواز الخيال أم لا؟ على أن جلسته الطويلة يوسد فيها خده على كفه، مهدل الشفة، ثابت المحجرين في جانب الأفق، لقد تدلك على أنه شاعر بعيد الخيال، ولعل هذا المعنى فيه هو الذي يتخطى سائر مواهبه، فيعقد الصلة بينه وبين مبادئ الحزب الوطني!
ومع هذا كله، فلا محيص من أن تقع المشاكل بين حافظ بك وبين نفسه كلما «زنقته» الحوادث بينه وبين مطالب حزبه، ولكن حافظ بك كما أسلفت عليك، رجل خراج ولاج، لا يغم عليه مشكل ولا يعيبه أمر جسام، فإذا حزبه من ذلك شيء عمد إلى حل بسيط، سهل، معقول، مقبول، وهو أن تعجله مسألة «فيحط كتف» على أوروبا معذورا مشيعا بطيب التمنيات! أليس هذا حلا سائغا معقولا؟!
وبعد، فإذا كان التطرف في الرأي السياسي ضربا من الشعر، فما أعذب هذا الشعر، وما أحوج تكافؤ النزعات السياسية إليه، على أنه إذا تجاوز حده، وخرج عن أفقه فقد أصبح له في توجيه سياسة البلاد شأن آخر.