تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر أن الدكتور ظن بعد لأي أن المصريين غير مقتنعين بضرورة «أخذ» السودان، فشخص إلى سوريا ليقنع أهلها بضرورة «أخذ» المصريين للسودان! فقد بلغني أن ذلك كان حديث الدكتور هناك في مسائه وصباحه، وغدوه ورواحه، وموضوع مفاكهاته وأسماره، في مقامه وتسياره.

ورأى الدكتور في «أخذ» السودان أبدع من رأي ذلك الفلاح المكاري، إذ قال لإخوانه يوما: كيف لا تهنئوني؟ فقالوا: بماذا؟ فقال: بأنني سأتزوج بنت السلطان! فقالوا له: وهل قضي الأمر؟ قال: بل نصفه، فإنني وأبي قد رضينا ولم يبق إلا هي وأبوها! ... أما الدكتور - أعزه الله - فإنه لا يرى بين المصريين وبين أخذ السودان كاملا بلا قيد ولا شرط، ومن فوقه ملحقاته وملحقات ملحقاته، إلا أن يرضوا هم! ... وقد قلت له يوما: ألا جعلت بعض همك إقناع الإنجليز أيضا بترك السودان لأصحابه المصريين؟ فأجابني بكل قوة وثقة: لا! ما يقولوش حاجة!

حقا، إن هذا الرجل أمة وحده، وإنه لعبقري لا يتدلى إلى منطق الناس وأسباب تصورهم، فإن له قياسه وتقديره، وله منطقه وتفكيره، وله أسلوبه وتدبيره. وأظهر صفاته في هذا الباب أنه لا يحفل بما لا يسمونه الواقع كثيرا ولا قليلا، فحسبه أن يشتهي الأمر فيقدره واقعا، أمكن ذلك الأمر أو استحال، ومثله من تخيل ثم خال. ولقد كان في سنة 1921 يسعى جاهدا في أن ينتظم عضوا في الوفد المصري، وقد وسوس له شيطان من الإنس بأن عدلي باشا فكر في تعيينه مستشارا في الوفد الرسمي لولا أن انتهى إليه أن سعد باشا سيلحقه بالوفد المصري، فكان جوابه على الفور: مافيش مانع يا سيدي! وهكذا طمع الدكتور في أن يكون عضوا، معا، في الوفدين المتقاتلين سنة 1921!

وأذن الله ودخل الدكتور في الوفد المصري طبعة ثالثة أو رابعة بعد ما عصفت القوة بجلة رجاله سنة 1922، ثم بدا له، لأمر ما، أن «يشلحه» فكانت تخرج النداءات والمنشورات ممهورة بتوقيعات رجال الوفد وليس اسم الدكتور فيها، إذ الدكتور مصمم على أنه ما برح عضوا في الوفد يلتمس «لعضويته» المعاذير بأنه ربما دعي للتوقيع فغاب، أو أرسل إليه فلم يبلغه الكتاب، على حد قول الشاعر:

نحن قوم إذا دعينا أجبنا

وإذا ننس يدعنا التط ...

ونقل علنا دعينا فغبنا

وآتانا فلم يجدنا الرسول!

وظل الدكتور برغم طول المدى وذيوع الأخبار «بشلحه» مصمما على أنه ما زال عضوا في الوفد. وقد جادله بمحضري في ذلك قوم، فكانت كل حجته أن محمدا أفندي - كذا - قابله يوما فحياه، وقال له: «يعني ماحدش بيشوفك يا دكتور؟!» ومحمد أفندي هذا يزور السيد حسين القصبي أحيانا، فلا بد أن يكون سمع هذا من الوفد، فكيف تزعمون بعدها أنني لم أبق عضوا في الوفد؟

هذا كلام له خبيء

معناه: ليست لنا عقول

ومن أظرف نوادره، أنه في غيبة الرئيس الجليل حدثت بينه وبين بعض رجال الوفد جفوة، فانقطع عن زيارة بيت الأمة، فقيل له: إن السيدة أنيسة الرشيدي نازلة بدارك، وهي تستقل كل يوم مركبتك إلى الأمة، والناس كلهم يعرفون «مكسويني» وإنهم ليرونه هناك فلا يشكون في أنك الزائر! فقال: لقد نبهنا على الأوسطى «علي» إذا نزلت السيدة أن يقف على الرصيف الثاني احتجاجا!

وكانوا يرشحون لمناصب المفوضين والقناصل لتمثيل مصر في البلاد الأجنبية، فتقدم الدكتور، فقيل له: ولكنك حذقت الطب. أما التمثيل السياسي فشيء آخر. فقال: ومن أخبر به منا يا ولدي! لقد عجناه وخبزناه، فقد كنا في «جنيف» وكان يجلس معنا أحيانا على بعض قهواتها سكرتير قنصل إنجلترا وتناول الشاي معنا مرارا! ... •••

والدكتور محجوب ثابت عريض الألواح بعيد مدى العظام لولا أن في جسمه رهولة، أميل إلى الطول، فإذا مشى خلته أحدب وما به حدبة، ولكنه انحناء الظهر من ثقل التبعات لا من ثقل السنين. عريض الجبهة إلا أن أسفل وجهه أعرض من أعلاه. يرسل سبلته وعثنونه وشعر عارضيه في هيئة لطيفة مقبولة، وله عينان رقيقتان ترتسم في بياض كل منهما دائرة تحيط بدائرة حتى تنتهي إلى إنسانها، وهما دائمتا الحركة والاختلاج. وهو بعد طيب القلب، مكفوف الأذى، عذب الروح، حلو الحديث، ضحوك السن، يتحرى في قوله غريب اللغة، ويلتمس الشاهد من مأثور شعر العرب، وقد يجيء به أحيانا مكسورا غير متزن. أما قافاته فحدث عنها ولا حرج. جزت بداره مرة فرأيت بنتين صغيرتين تتلاعبان، فقالت إحداهما للأخرى: هذا بيت الدكتور، فسألتها: ومن الدكتور؟ فقالت لها: ألا تعرفين الدكتور الذي يقول يا بنت هاتي القبرة! «الإبرة».

في المرآة · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ١٤