وفيه ذكاء حاد، يديم القراءة والنظر في الكتب وكأنه يحفظ بظهر الغيب كل ما يقرأ، تعرف هذا من علمه الواسع الذي يكاد يستغرق كل ما في الدنيا وكل أسبابها، إلا أن علمه - مع الأسف - يختلط بعضه ببعض، حتى ليخيل إليك أن رأسه «كتبخانة مدشوتة». ولو قد ملكت أمره، وكانت لي بسطة في المال والسلطان لدعوت بمستشرق ألماني فني؛ لينظم هذه المكتبة العظيمة فيضم كل شكل إلى شكله، ويجمع كل جنس إلى جنسه، ويرد كل معنى إلى بابه، ويصف كل فن في «دولابه».
ومن أخص صفات الدكتور ثابت، أنه لا يكاد يشعر بمرور الزمن، وإذا كان من آية يوشع أن الشمس رجعت له مرة، فإن من آية دكتورنا عند نفسه أن الشمس تثبت له موضعها على طول الزمان، فأنت إذا دعوته ليتناول الغداء معك أقبل عليك الساعة 5 بعد الظهر حتما في غير ورع ولا اعتذار. ولقد دعاه صديق لي وله لتناول الإفطار في رمضان ولبثنا ننتظره برهة، فلما أيسنا منه أفطرنا، وفي نحو الساعة الحادية عشرة أقبل الدكتور مشمرا للفطور، وما كان أشد دهشته «يقينا» إذ علم أننا أفطرنا من أربع ساعات فانطلق يزمجر و«يزوم»، ويعتب ويلوم!
ومما يذكر للدكتور في هذا الباب أنه ما أدرك قط القطار الذي يعتزم السفر فيه، حتى تقرر عند جميع أصدقائه أنه إذا آذنهم بالسفر إلى بورسعيد في قطار الساعة 7 صباحا شخصوا إلى المحطة لتوديعه في قطار الساعة 11، وإذا آذنهم بالسفر إلى الإسكندرية في قطار المفتخر، كانوا في وداعه بقطار الساعة 7 مساء.
وسافر مرة إلى الإسكندرية لوداع الآنسة سنتيا موير الصحفية الأمريكية، وأخذ تذكرة للذهاب والإياب على أن يعود من يومه، فلبث هنالك قرابة شهرين ونصف شهر.
ولو قد ذهبنا نعدد لطائف الدكتور محجوب وبدائعه، لما اتسع للحديث مثل هذا المقال. وإنه ليجمل بنا في موضع الإنصاف أن نقرر أن الرجل شريف النفس، عفيف الجيب، جمع للنهضة المصرية من مديريتي جرجا وقنا قرابة خمسة عشر ألف جنيه، أبلغها كلها محلها، لم يقتطع منها درهما واحدا حتى ولا لأجرة القطار وسائر نفقات السفر وهي غير قليلة، فضلا عما احتسب عند الله من خراب الأجزاخانة، ودمار العيادة، وفرار الزباين، وسرقة شبابيك الدار.
وهو لا يتعمل للدرهم ولا يجري وراءه؟ أما إذا سقط الدرهم إلى جيبه فلا إلى رجعى، فمثله في ذلك مثل المصيدة لا تجري وراء الفأر، فإذا سقط إليها الفأر، فهيهات ليس له منها فرار. وله في هذا الباب أحاديث مذكورة وأفاكيه منشورة. •••
وبعد، فالدكتور محجوب ثابت أمة وحده بما اجتمع له من الصفات، وما احتشد لديه من فنون المعلومات، وما تكدس عليه من ألوان التبعات. وهو إذا اعتبر لنفسه حق التحدث على كل شيء، والدخول في كل دقيق وجليل من شئون البلاد، فقد وجب بإزاء هذا أن يكون لكل مصري فيه نصيب. وإني لأقترح على الحكومة أن تصدر قرارا بنزع ملكيته وإضافته إلى المنافع العامة، ولعلها بعد العمر الطويل تجعله من نصيب دار الآثار، حتى يظل رمزا لتلك العبقرية الفريدة على طول الأعصار؟
| الدكتور محجوب أيضا1
وإن الحديث ليحلو دائما في الدكتور محجوب راسبا في الانتخاب، وعضوا في مجلس النواب. كما يحلو فيه ملحا في طلب السودان، ومشغولا عنه بالكلام في السماط والخوان. وإني لأوفر هذا الحديث على عتاب صديقي صاحب «الكشكول» على قسوته هذه الأيام على الدكتور وإغلاظه القول فيه بعض الأحيان. والأستاذ فوزي يداين صاحبه بقسط كبير من نجاحه في الانتخاب، فلقد طالما أيده بشديد القول في جريدته القوية، كما آزره بشخصه في الإسكندرية إذ حزبه الأمر وأعوزه النصير.
والأستاذ إنما ينقم من الدكتور أنه حين استوى على كرسي في مجلس النواب تكرش لسانه في شدقه وتقبض. فلم يعد يهتف بالسودان، ولا بملحقات السودان، ولا بشيء مما يمني به ناخبيه، ويصدع به رءوس المختلفين إلى «صولت»، وقهوة الشيشة، ونقابة العمال، ومطعم «الكوارع»، وحلواني محطة الرمل، والمترددين على عيادته من كل أرمد العين، ومضروب بالفالج، ومقروح الكبد، ومن خرج به جرب أو برص، وشاك مرض القلب وخفقانه، أو وجع الضرس وضربانه، ومصدورة تدارك بالعلة زفيرها، وماخض علا صياحها وزحيرها. وحين أظفره ناخبوه بمقام النيابة نسي وعوده المعالجة بالسمن والعسل، وخفر عهوده لأهل مينا «البصل» وترك حديث السودان في مجلس النواب، وأقبل على حديث «الكنافة» والكباب، وترديد ذكر الفطائر المدحوة، والقطائف «المحشوة»، والدجاج والسكابيج، والدراج والطهابيج، واللحمان المحمرة، «والطواجن المعمرة»، وكل ما يعالج بالسمن أو بالزيت، وما يصنع في السوق وما يطهى في البيت!