| الدكتور محجوب ثابت
لا شك في أن الدكتور محجوب ثابت يعد بحق، في ميراثنا القومي، ولو - لا أذن الله - جرى عليه القدر، لكان لا بد للأمة من «دكتور محجوب ثابت» بأي طريقة من الطرق. نعم، هو في ميراثنا القومي لا يقل عن آثار سقارة، وجامع السلطان حسن، ومقابر الخلفاء. ولقد أصبح على الزمان جزءا من تقاليدنا الأهلية كحفلة المحمل، ووفاء النيل، وركبة الرؤية، وشم النسيم! ولما فكر المرحوم محمود بك رشاد في جعل العلم المصري محلى بصور بعض الآثار القديمة، فرعونية وإسلامية، لم ير المصور بدا من أن يرسم بجانب الهرم وأبي الهول وجامع برقوق وحضرة سيدي أبي السعود، صورة الدكتور محجوب ثابت.
والدكتور في المصريين كإنجلترا في الأمم، كل منهما يرى عليه للآخرين تبعات لا تنقضي على وجه الأيام! فإذا كان الكلام في النيل وما عسى أن يجتازه عن مصر خزان مكوار تولى «الدكتور» الكلام، وملكه على جمهرة المهندسين! وإذا كانت الثورة تصدر الدكتور لجنة الوفد المركزية، وكلما انتشرت في البلد مظاهرة كان ناظورتها
1
الدكتور، وكلما ساروا «بضحية حرية» كان الدكتور أول المشيعين، فإذا كان اجتماع في الأزهر كان الدكتور فارسه المعلم وعذيقه المرجب. فإذا تعانق الهلال والصليب، استأثر الدكتور من عناق الأب سرجيوس بأكبر نصيب.
ليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد
فإذا وجد دهماء المصريين على الأرمن، وهم بعضهم بإيقاع الأذى بهم، طاف الدكتور بعربته «ومكسوينيه» على دورهم فنقلهم وعيالهم وأثاث بيوتهم إلى مأمنهم. فإذا غضب الأروام من أن بعض الرعاع أصابوا منهم على وهم أنهم أرمن، شخص الدكتور في الركب الحافل إلى دار قنصلهم فخطب جمعهم باسم مصر ومادهم حبال المودة، وعقد معهم، باسم الأمة والحكومة أيضا، فنون المعاهدات. وإذا كان جمع الأموال للوفد أغلق الدكتور عيادته «بالضبة»، وهاجر إلى قنا فلبث الأشهر الطوال يجمع ما تحتاج إليه القضية من جليل الأموال. فإذا كانت مشاكل العمال أبى الدكتور إلا أن يتفرد بها من دون الناس جميعا، فانتفض نقيبا لعمال العنابر، ولفافي السجاير، وسواقي الأتومبيلات، وشيالي المحطات، وندل
2
الفنادق والقهوات، وجميع طائفة المعمار، وأصحاب الحوانيت من كل بدال وبقال وجزار، وعمال المطابع، وكناسي الشوارع، وصناع الخيم، ومساحي «الجزم»، ولو فكرت طوائف الجرذان والسنانير، وجماعات الجعلان والصراصير، في أن تتخذ لها نقابات، لتمثل الدكتور ثابت فيها خطيبا، ثم استوى لها بفضل الله نقيبا!
وفي الحق إن الدكتور يرى نفسه مسئولا عن كل ما في البلد من هابط وصاعد، وقائم وقاعد، وغاد ورائح، وسانح وبارح، ودارج على متن الغبراء، وسابح في جوف الماء، وطائر في جو السماء. فإذا كانت هنالك منطقة خارجة عن اختصاص الدكتور محجوب فهي عيادته فقط! ذلك بأنه ليس برجل أثرة، بل هو رجل إيثار، يعنى من أمر قومه بكل دقيق وجليل، أما خاصة شأنه فلا يعنيه منها كثير ولا قليل.
ولا أحسب رجلا في مصر ولا في إنجلترا مشغولا بالسودان شغل الدكتور ثابت،
3
فحديث السودان يجري منه مجرى النفس، ولو هيئ له، أو لو هيئ لك أنت، على الأصح، أن تستمع له لحدثك في شأن السودان ثلاثين عاما متصلة لا ينقطع ولا يتحبس، ولا يتلجلج ولا يتلعثم، ولا يمل ولا يكل، ولا يبطئ ولا يزل.
وللدكتور في مشكلة السودان نظرية طريفة جدا، فإنه يرى أن كل العقدة فيها إنما هي في إقناع المصريين وحدهم بقبوله وإدخاله بلا قيد ولا شرط في ملكهم الخالص، فهو كلما رأى رجلا أو امرأة أو صبيا أو وليدا أقبل عليه «يقنعه» في قوة وحماسة بقبول السودان، وتدفق ما شاء الله أن يتدفق بألوان الحجج لحق مصر في السودان وحاجة مصر إلى السودان، وما أنفقت مصر على فتوح السودان، ومن أبلى من أبناء مصر في حروب السودان. ولو أن رجلا مسح السودان شبرا شبرا، وذرعه فترا فترا، ما كان أعلم به من الدكتور ثابت، على أنه لم يره ولم يزره طول حياته مرة واحدة. وقال له بعضهم يوما: لقد جعلت السودان شغلك يا دكتور حتى أصبحت رمزه في هذه البلاد، فهلا زرته وتفقدت أهله؟ ففتل عثنونه وقال: لا حاجة بنا إلى هذا، فقد عرفناه وخبرناه ... ولا أدري أكان هذا من الدكتور ورعا أم كسلا!