تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهلباوي خطيبا يشتري هوى سامعيه بأي ثمن: فهو يجد ويهزل، ويثب ويحجل، ويضحك ويبكي، ويعلو ويسف، ويثقل ويخف، ويكثف ويشف، وينظم الدرر، ثم يرمي بالشرر. وبينا تراه في وداعة العصفور، إذا به في شراسة النمور. كذلك يتشكل هذا الشيخ في خطبه ويتلون لكل مواقع الكلام!

وإذا كان الهلباوي خطيبا عظيما فهو ممثل أعظم! •••

نجم الهلباوي من أسرة في الغربية كريمة العرق، إلا أنها رقيقة الحال، فلما يفع قذفت به إلى الأزهر، فعكف على مدارسة علومه، وقد عرف بين لداته، من صدر أيام الطلب، بالفطنة وحدة الذهن والإكباب على تحصيل الدرس. وعلوم الأزهر، كما تعرف، تقوم على الجدل والمكاثرة بألوان التدليل، وكان الهلباوي فوق «أزهريته» تيك، عنيدا في رأيه، ملحا حتى على أشياخه في حواره، جريئا على مخاصمتهم في كثير مما تسقط عليه أفهامهم في مذاهب الكلام.

وهبط المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني مصر، فاتصل به الهلباوي كما اتصل به كثير من أهل المواهب والذكاء، وكان يعلمهم مسائل من الحكمة، ويلقنهم فصولا من فلسفة اليونان كما نقلها العرب عنهم. وقد مد السيد الأفغاني أذهان طلبته إلى كثير مما يحيط بهم، ففجر عقولهم، وجرأ قلوبهم، ودرب ألسنتهم على المنطق والمغالبة بفنون الجدل، وعودهم الجهر بالرأي دون الخوف من أحد. وفي ثنايا هذا كله كان يبعث في نفوسهم دعوة سياسية جريئة.

وخرج الهلباوي بعد هذا إلى ميدان العمل، فاتصل اتصالا أوفى بالبيئات التي تفهمت حياة الغرب، وتروت علومه الحديثة، وأخذت أحلامها بمنطقه الطريف. وهكذا أصبح الهلباوي خليطا من كل ما تقلب فيه من أطوار الحياة!

وما اجتمعت هذه الأسباب كلها في نفس إلا اضطرمت وثارت، فلا تعود تستريح إلى قرار. فلا عجب إذا كان الهلباوي ثورة دائمة في هيكل رجل، والبركان دائم الفوران، فهو ينفجر من حين إلى حين وإن احتقن إلى حين.

ولقد يكون ما يظنه كثير من الناس ترددا في الهلباوي أثرا من آثار هذه الثورة النفسية، فإن الثورة لا تعرف نظاما ولا تستوي في شبوبها لطريق.

ولعل موقفه يوم دنشواي كان مظهرا من مظاهر هذه الثورة، على أنها هذه المرة كانت أدنى إلى تحدي الجمهور منها إلى ما اعتاد من تحدي السلطاء من أهل الحكم، وفي كل حال فقد كانت منه كبيرة، ولعلها كانت سقطة الرجل العظيم.

على أن أحدا لم يجرؤ على أن يحيل تردد الهلباوي، الذي قالوا، على طلب منفعة شخصية من منصب أو جاه أو مال. •••

وقد صحب القضاء المصري الحديث، ودارجه من أول نشأته إلى اليوم، فلم تكد تقع قضية ذات شأن في البلاد إلا دعي لها الهلباوي، فافتن وأبدع، وله في هذا الباب جولات معدودة له على وجه الزمان. فلا عجب إذا عد صحيفة من أحفل صحف القضاء المصري وأظهرها حواشي ومتونا.

وقضى هذا الزمن الطويل محاميا واضحا أمينا مجدا في عمله، حريصا على أداء واجبه، لم تحص عليه كرة واحدة مما يخمش وجه المحاماة.

ثم هو في علاقاته الشخصية شديد التوافي لأصدقائه، حريص على مودتهم، لا يقصر في أداء أي واجب لأي كان منهم. ولا أحسب الهلباوي قد عادى أحدا أو عاداه من الناس أحد إلا في شأن عام.

وإني كلما جاش في نفسي الحقد على الهلباوي بك، هرولت إلى مجلس النواب فشفيت صدري برؤيته، بعد كل ذلك! وقد امتثل حقا لحكم النظام، فهو يرفع إصبعه بطلب الإذن كلما أراد القعود أو القيام، وكلما أراد السكوت أو الكلام، وكلما طلع أو نزل، وكلما عطس أو سعل ، وكلما تحرف أو تخطى، وكلما تثاءب أو تمطى، وكلما دلك أكارعه، أو فتل أصابعه. ولا بد من الخضوع والطاعة لكل من ينتظم في سلك الجماعة، وإلا ساء النظام، واضطرب حبل الأحكام!

وكذلك أخمدت الحياة النيابية هذه الثورة الشيخة الفتية.

وإني إذا لم أصفه في موقفه الجديد بأنه أصبح «كالوحش يستدنيه للقنص المحل»، فإني أقول له: «ولا بد دون الشهد من إبر النحل!»

في المرآة · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ١٢