تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ثروت وزيرا للداخلية في وزارة عدلي باشا «سنة 1921»، وقائما مقام رئيس الوزراء في أثناء غيابه في مفاوضة اللورد كرزن، فلما قطع عدلي باشا هذه المفاوضات عاد إلى مصر، فقدم استقالة الوزارة. واستوحش ما بين مصر وإنجلترا، وسكت المنطق من حيث تكلم الحديد والنار، وانطلقت القوة تفعل في هذا البلد ما تشاء، وفتنت الأحلام في مصر وإنجلترا معا، وعميت على الناس مذاهب الرأي هنا وهناك. ولا بد من حل، فلكل سائلة قرار، فأبى داهية الرجال أن يكون هذا الحل على حساب الضعيف! ...

لا أدري، ولعل أحدا - غير الله - لا يدري كيف كان أبو الهول يقلب الرأي، وما كانت تجن خلجات وجهه من فنون الحيل، حتى إذا استوى له الرأي كله تجمع، فضرب تلك الضربة الهائلة التي صدعت قيود مصر وأطلقتها في الدول دولة مستقلة ذات سيادة وسلطان، وسرعان ما آذنت إنجلترا الدول بانتهاء حمايتها على مصر، وسرعان ما آذنها جلالة الملك باستقلال البلاد. وشرع ثروت باشا يسن للدولة دستورا قويا؛ لأن مصر الفتاة تأنف العيش إلا في كنف برلمان. وهذا البرلمان يعمل وسيعمل إن شاء الله حتى تحيا مصر أعلى الحياة.

على أنه ما برح بيننا وبين إنجلترا مسائل جليلة، وإن رجالا فيها ليتربصون الفرص ليتحيفوا من حقوقنا، فما أحوجنا في أمرنا معها إلى عزم الأبطال. وما كان الله ليخيب رجاء مصر وفيها سعد، وفيها عدلي، وفيها ثروت، وفيها من يحف بهم من رجالات عظام.

فلتحي مصر ولتبلغ كل أمانيها في ظل ائتلافها النبيل.

| إبراهيم الهلباوي بك

ما صدق أولئك النفر من العلماء حين زعموا أن هناك تشابها بين النفس والجسم، وتشاكلا بين الروح والهيكل الذي يحتويه، وإلا كان الهلباوي هذا من أحلى الناس وجها وأبهاهم طلعة؛ فإنه ولا مرية من ألطف خلق الله نفسا وأخفهم روحا.

شيخ يتزاحف على السبعين إن لم يكن قد اقتحمها فعلا. لم توجه الطبيعة أية عناية في تكوينه إلى شكله ودله، فإذا أنت جلست إليه مع هذا خلبك بلطفه، وشعرت بأنه تسرب في كل نواحي قلبك حتى أصبح قطعة من نفسك. وإنه ليذكرك بخفة روحه التي تكاد تطير، أثناء حديثه، بأطراف جسمه - قول أبي تمام:

ماذا تقولين في شيخ فتى أبدا

وقد يكون شباب غير فتيان

وأنا إذا تحدثت عن الهلباوي أشعر ويشعر الناس معي، برغم أنفي وأنف غيري، أننا في رجل غير عادي، أو بعبارة أخرى: في رجل عبقري.

ولعله لم يفترق الناس في هوى امرئ - إذا استثنينا إسماعيل باشا صدقي - افتراقهم في الهلباوي، فقد عاش مدى عمره يحبه الناس أشد الحب، ويبغضه ناس أشد البغض، إلا أن هؤلاء وهؤلاء لا يسعهم جميعا إلا التسليم بأنه رجل عبقري، بل لعله لم يجتمع له في القلوب كل هذا الحب وكل هذا البغض، إلا لأنه رجل عبقري!

ثورة في هيكل رجل!

طويل القامة، عظيم الهامة، بائن الطول، مفتول العضل، شديد المنة،

1

قوي البنية. رأيته يخطب الناس عصر يوم قدم في صباحه من أعلى الصعيد. والهلباوي إذا خطب خطب بكله: بلسانه، وبعقله، وبنخاعه، وبعصبه، وبرأسه، وبيديه، وبرجليه أيضا! وله صياح يقد أصفق الحناجر. ثم تدلى عن المنبر بعد أربع ساعات كاملات في كل هذا البلاء وهو أشد وأفتى من أكثر من سمعوه إن لم يكن أفتى ممن سمعوه جميعا. وما شاء الله كان! ...

شديد العقل، حاضر البديهة، قوي الذاكرة، ملتهب الذكاء، على أنني لا أدري أتفي كل هذه بحاجات لسانه أم لا؟! ...

محام أي محام، وخطيب أي خطيب! لقد يقف في الجمهرة والناس أكثرهم على غير رأيه فيما يجول فيه، فما يزال يدور على مواطن إحساسهم يجسها من ههنا ومن ههنا في رشاقة وخفة قول، ولطف شاهد، وبراعة نكتة، حتى إذا آنس من الآذان تطامنا من جماح، واسترخاء بعد عصيان، هجم منها بكله على النفوس، فظل يهزها هزا، ويرجها رجا. فما الفحل إذا هدر، ولا الليث إذا زأر، ولا البحر إذا زخر، بأشد صولة على الأسماع من الهلباوي يتدفق في الكلام، فما يروعك من هذه الجماهير الواجمة إلا أن تراها، برغمها، قد أرسلت حناجرها بالهتاف، وبعثت أكفها بالتصفيق!

في المرآة · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في المرآةص ١١