هاتان المنارتان المرتفعتان نحو العلاء بذلك القد الرشيق كأشجار السرو، هما ميزة ذلك الجامع الجليل الشأن، إذ يجذبان الأنظار من أبعاد شاسعة، ويستقبلان الغرباء القادمين إلى مصر من دروبها المختلفة المؤدية إليها، بالتأهيل والترحيب.
كانتا منتصبتين في الفضاء كالتمثال، يراهما القاصي والداني ويشاهد قديهما المائسين، الواقف عند أطراف الصحراء المتوهجة رمالها توهج التبر، ويبصرهما المشرف على مصر من أعلى ذروة في جبل المقطم، كما كان الواقف على سطح النيل المزركش يمتع أيضا أنظاره بمرآهما. وإن العين لا تمل النظر إليهما وقت أن تأذن الشمس بالمغيب، حيث ترسل الغزالة عليهما خيوطها الذهبية الدقيقة، فيظهران في تلك اللحظة كلوحة بديعة نقشتها الطبيعة بمزيج من ألوانها المفرحة الآخذة بمجامع القلوب، فلا يسع الرائي عندئذ إلا أن يرمق ذلك العرش السحري بعين الإجلال والتعظيم.
محمد علي، وما أدراك ما محمد علي! وإنها لسعادة كبرى لمن كانت مثلي أن تقلب الطرف في صفحات التاريخ، باحثة عن حسنات ذلك البطل، نافخ روح العلم والنور في مصرنا العزيزة. ولكن ما العمل وأنا لا يسعني إلا إظهار الأسف لعجز يراعتي عن بلوغ هذه الأمنية! لأنني أعلم تماما أن الكتابة عن حياته المملوءة بالأسرار والمعجزات في حاجة إلى قلم كاتب خطير وتحقيقات مؤرخ قدير.
إن ذكراه لتمر الآن من أمام ناظري كسيارة لامعة وأنا أحدق النظر في المنارتين، ورؤيا جامعه الشريف يعيد إلى الذهن اسمه الكريم تحف به آيات الحفاوة والتقديس.
وهذه الكلمات الصادرة من أعماق قلب تهتز أوتاره باحترامه وإجلاله، أقدمها اليوم إلى أنواره الساطعة كذكرى لهذه الليلة الساحرة. •••
ذلكم البطل الخالد الذكر، صاحب العزمات الماضية، والأفكار العالية، والآمال الكبار، هو أول من نشر المدنية الحديثة في مصر، وأول من أيقظ البلاد من نومها العميق، وأول من أخذ بيدها إلى سبل السعادة ومباهج الحياة الصحيحة. عاش في صباه أميا لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان سراج أمته، أبدل ظلامها نورا، فانتعشت على يديه روح المعارف والفنون. وبفضل مساعيه اتسعت دائرة الصناعات، وتقدمت الزراعة وارتقت أساليب التجارة.
في عهده الزاهر، بدئ بزراعة القطن وقصب السكر؛ وهما الدرتان اللامعتان في تاج الزراعة المصرية، وبذلك خطت مصر خطوتها الأولى في سبيل الرقي والفلاح. وإن التاريخ لن ينسى مجهوداته الكبرى في سبيل تنشيط الصناعات، وما كان لمصانع الأقمشة الصوفية والحريرية، ومعامل الزجاج المنشأة في عهده من الأثر البين في تجديد حبل المواصلات بين مصر وأوروبا.
المدارس الحربية، ومعاهد الفنون والعلوم المؤسسة في عهده من طب، وهندسة، وإدارة من أكبر المظاهر الدالة على اهتمامه بتشجيع وسائل العلوم والفنون.
أراد أن يستفيد من فيضان النيل السنوي وألا يدع تلك المياه العذبة، وفيها إكسير الحياة لأرض مصر، تذهب هباء، فوجه همته العالية إلى تقسيمها على الأراضي بطرق فنية مما زاد الخير والنماء في محصول البلاد. ونظر بعد ذلك إلى النيل في أوقات الفيضان فألفاه جاريا على غير نظام، يغمر الأراضي والقرى المرتفعة ويتركها جزرا يتعذر الوصول إليها لإحاطة المياه بها من جميع جهاتها، فضلا عما يصيب الأهالي من الخوف والقلق خشية طغيانه، فأمر بإنشاء القناطر الخيرية عند مفترع النيل، وبذا خلص البلاد من أكبر الويلات والشرور.
كانت المماليك حين ذاك شعلة فتن ودسائس يخشى منهم على حكومته المشروعة، فدبر لهم تلك المكيدة التي قطعت دابرهم، فانتهت المشاحنات والمنازعات بانتهاء أمرهم وعاد الأمن إلى نصابه مرة أخرى. وبعد أن خلص البلاد من شر فتنهم أخذ يبذر بذور الائتلاف والاتحاد بين العناصر المختلفة في مصر، فجمع كلمتهم وألف بين قلوبهم. ثم اهتم بعد ذلك بتحسين الحالة الاقتصادية ليوطد عرش ملكه على مهاد الراحة والطمأنينة.